إبراهيم غرايبة

عيد الأضحى وعيد الميلاد

تم نشره في الجمعة 29 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

يأتي عيد الأضحى وعيد الميلاد هذا العام في وقت واحد، وهما عيدان قديمان قبل الإسلام والمسيحية، فعيد الميلاد هو في الأصل متصل بالسنة الشمسية وطقوسها لدى الشعوب والحضارات السابقة، وعندما دخل الناس في المسيحية واصلوا الاحتفال بالمناسبة باعتبارها للاحتفال بيوم ميلاد المسيح عليه السلام، أي أنه جرى مسحنة العيد حسب أحد رجال الدين المسيحي، وتشير رواية الإنجيل إلى أن مولد المسيح عليه السلام كان في الربيع وليس في الشتاء، وأما عيد الأضحى فيتصل بالفداء الذي قدمه إبراهيم عليه السلام لوقف تقديم القربان البشري.

وتظهر رواية عيد الأضحى بوضوح أن تقديم القرابين البشرية كان متبعا ومقبولا إلى أن حرم بعد إبراهيم عليه السلام، ولكن يفتاح الجلعادي أحد قضاة بني إسرائيل (وهم يتمتعون بمنزلة دينية لدى اليهود والمسيحيين تقترب من منزلة الأنبياء) الذين حكموا الإسرائيليين بعد النبي يوشع (حوالي تسعمائة سنة قبل الميلاد، أي بعد إبراهيم عليه السلام بحوالي ألف سنة) ضحى بابنته الوحيدة "بيده" وفاء لنذره، كما ورد في التوراة، برغم أنها (التوراة) حرمت تقديم القرابين البشرية، ومن المتداول في التراث العربي أن عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد نذر أن يضحي بأحد أبنائه ويقدمه قربانا للكعبة، وعندما عزم على تنفيذ نذره وأجرى القرعة بين أولاده وقعت على عبد الله والد الرسول، ولكنه تراجع عن نذره واستشار الكهنة فاشاروا عليه بأن يجري القرعة بين عبد الله وبين عشرة من الإبل وكلما جاءت على عبد الله زاد عشرة من الإبل حتى صارت مائة وقع عليها السهم، فذبحها وقدمها أضاحي فداء لعبدالله، وهكذا بقي راسخا في التراث حتى اليوم أن فدية الإنسان المقتول تساوي مائة من الإبل.

هل يعني شيئا ذلك الغناء الطفولي بمناسبة العيد "بكرة العيد بنعيد بنذبح بنت سعيد، بنته ما فيها دم بنذبح بنت العم" هل تعبر عن بقاء تلك الطقوس راسخة ومستقرة في أعماق الناس حتى اليوم بعد أربعة آلاف سنة من قصة إسماعيل؟

ربما تكون الأعياد هي أكثر المناسبات والأعمال التي بقيت فيها الطقوس والرموز الدينية والتراثية تتراكم عبر الزمن، وقد جرى عليها إضافات وتعديلات لتصبح جزءا من الأديان فيما بعد، ولكنها ماتزال مشحونة بالرموز والدلالات والممارسات التي تحتاج إلى تفسير وعودة إلى التراث الإنساني لإعادة فهمها وموضعتها، وربما تكون الأعياد من أهم وأكثر الرموز والأعمال التي تجمع وتراكم التجارب والحكم الإنسانية والمعاني والقيم الدينية والعامة وعلى نحو فيه قدر من التواصل عبر الزمن والأجيال، وقد يأتي يوم تجد فيه البشرية في الأعياد ودلالاتها كثيرا من الحكم والمعاني التي لم تدركها بعد، فهذه الموجة العالمية في دراسة الأديان وفهمها على نحو غير مسبوق (ربما) وباستخدام المناهج العلمية الحديثة والمطبقة في العلوم الإنسانية والاجتماعية ستؤدي على الأغلب إلى حالات من الفهم والإضافات المعرفية الجديدة، والتي ربما تغير كثيرا من الأفكار السائدة اليوم.

وفي هذا السياق هل تشكل زيارة القبور في أيام العيد والمتبعة لدى المسلمين والمسيحيين رمزا دينيا قديما أم هي عادة اجتماعية تشكلت لدى الناس في المنطقة وبخاصة أنها ليست عادة إسلامية بالمطلق، ولكنها في منطقة جغرافية محددة؟ إن العيد لدينا في الأردن بخاصة مسلمين ومسيحيين يعني مناسبة اجتماعية للوفاء للناس، الأقارب والأصدقاء، الأحياء والأموات، وسواء تشكل ذلك من خلال التفاعل الاجتماعي أو بتطور الرموز الدينية أو بكليهما، فقد تحولت هذه الممارسات إلى تقاليد راسخة، ولعلها تعبر تطبيقيا عن معاني الفداء والعطاء والفرح التي تشكل الرمز الأساس في العيد.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حلقة ناظمة للحكمة (يارا طاهر)

    الخميس 4 كانون الثاني / يناير 2007.
    العيد يالفعل هو تراث إنساني مشترك وقد لاحظت في لبنان مع التقاء العيدين في وقت واحد كيف هم الناس يتلقون من مشكاة واحدة