دعم عباس والوعود الزائفة

تم نشره في الأربعاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

اذا كانت قد تكونت اية قناعة لدى القوى المتنفذة بضرورة التوجه للشرق الاوسط لتشويه النزاع العربي الاسرائيلي، فالمؤشرات تدل على العودة للاساليب القديمة، والمشاريع القديمة، وحتى للقيادات القديمة التي فشلت جميعها في التقدم خطوة واحدة نحو التسوية السلمية المنشودة.

تقرير بيكر هاملتون، مجموعة دراسة العراق، اوصى بحل قضية الشرق الاوسط، كمصدر رئيس لعدم الاستقرار والعنف. ونداءات انطلقت من المنطقة ومن جلالة الملك عبدالله الثاني بالتحديد، ومن المملكة العربية السعودية خلال زيارة نائب الرئيس الاميركي للمملكة قبل اكثر من شهر، تلك النداءات حذرت من مغبة ابقاء الوضع في بلادنا على حاله، وحذرت من تفاقم العنف والحروب الاهلية، وبحسب تقارير صحافية موثوقة "مجلة انسايت"، ابلغت القيادة السعودية نائب الرئيس تشيني بأن اسرائيل وليست ايران هي مصدر الخطر.

وفي مطلع العام اطلعنا على ذلك التقرير البالغ الأهمية الذي اعده جون ميرشايمز من جامعة شيكاغو، وستيفن وولت من جامعة هارفرد، الذي تحدث عن تأثير اللوبي الاسرائيلي على سياسة اميركا في الشرق الاوسط، وبالتالي عرقلة اية جهود نحو تسوية الصراع التاريخي المتفاقم. وقد ربط ذلك التقرير ايضا بين انتشار العنف في العالم مع استمرار الظلم في فلسطين ونصح بمعالجة الوضع الراهن.

ليس من الواضح حتى الآن، إذا كانت قد تكونت اية قناعة حقيقية، وكافية، لدى القيادات القادرة على تحريك الامور، وواشنطن في مقدمتها طبعا. لوضع الشرق الاوسط على جدول اعمالها. ويجب ان لا يغيب عن الذهن ان زمام المبادرة لا يزال بيد اسرائيل فهي التي بالنتيجة تستهل او تعرقل اي تحرك باتجاه تسوية جريئة للنزاع، تستند الى تطبيق القرارات الدولية وانهاء الاحتلال على جميع الجبهات، وازالة المستوطنات، وتمكن الفلسطينيين من بناء دولتهم بحرية، فتلك التسوية لا تزال بالغة الكلفة بالنسبة لاسرائيل بالرغم من دروس لبنان والعراق، وحتى التطورات المتلاحقة في فلسطين.

لكن، ونتيجة ضغوط متزايدة على كل من واشنطن واسرائيل، يبدو ان الخارجية الاميركية تدرس مبادرة ممكنة تستهدف إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة بنهاية عام 2007، كما نشرت مجلة "فوروورد" في عدد 22/12/2007. وقد يعني هذا في الواقع تغير عنوان السلطة الفلسطينية القائمة حاليا من سلطة الى دولة دون حدوث اي تغيير فعلي على ارض الواقع. والخطر الاكبر يكمن في تحويل المؤقت الى دائم. فاذا تعذر تعريف حدود الدولة الفلسطينية المنتظرة الآن, فكيف يكون ذلك أسهل تحقيقا في المستقبل البعيد، وبعد ان تكون اسرائيل قد اوغلت في مشاريع الاستيطان وخلق الوقائع على الارض.

ان كان هذا هو الاساس الذي تقوم عليه اية مبادرة لمعالجة الوضع، او كان غيره، كإحياء بعض المبادرات القديمة الفاشلة، فالتوجه هو دعم محمود عباس ماليا وسياسيا ليتمكن في البداية من انتزاع السلطة من يد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا برئاسة حماس، ثم ليكون بعد ذلك، وبعد ان يصبح القرار بيديه، الشريك الفلسطيني في مشاريع التسوية الممكنة.

على هذا الاساس تطالب الادارة الاميركية بحسب تقرر "فوروورد" الكونغرس بتخصيص مائة مليون دولار لعباس ليتمكن من كسب معركته مع حماس. ويدور الحديث ايضا عن تسليح وتدريب "الحرس الرئاسي" لعباس ودعمه بإلحاق قوات بدر بالحرس الرئاسي ليشكل كل ذلك قوة فعلية لعباس اذا استوجب الامر حسم الخلاف بالقوة، اي بقيام حرب اهلية. وهذا الحرس الرئاسي يعيد للذهن الذكريات الكئيبة عن حرس صدام حسين الجمهوري الذي كان اهم ما في الجيش, كما ان ذلك يدعو للتساؤل عن مدى حاجة اي رئيس دولة لجيش كامل لحمايته وحمايته مِنْ مَنْ غير شعبه.

في هذا السياق حثت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس خلال زيارتها الاخيرة لاسرائيل, حثت اولمرت على تحسين وضع عباس بتخفيف اجراءات الاحتلال وبتخفيف الاجراءات المطبقة على حواجز التفتيش والافراج عن بعض الاموال. كل ذلك لتحسين صورة عباس لا للتخفيف من معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وبطبيعة الحال تلقى اولمرت اكثر من نصيحة لاستقبال عباس لجزء من برنامج تحسين الصورة.

لقد بالغت الأجهزة المحيطة بعباس اثر اجتماع الاحد الغائب مع اولمرت بنتائج الاجتماع ولكونه بداية لاجتماعات اخرى ولاستئناف التفاوض من اجل احياء عملية السلام. ولكن اجهزة الاعلام العالمية، التي فوجئت باللقاء ووصفته بغير الرسمي، لم تعطه ولم تعطِ نتائجه اية اهمية تذكر.

فكل ما عاد به عباس هو وعد مؤجل التنفيذ بانتظار وجود آلية تضمن عدم استخدام المال للارهاب بالافراج عن اموال الفلسطينيين المحجوزة لدى اسرائيل منذ مطلع العام من دون اي مبرر شرعي او قانوني. اولمرت وعد بالافراج عن مائة مليون دولار عند توفر الآلية ولم يتضمن الوعد افراجا عن المبلغ بكامله او تحديدا لاي موعد لذلك. ألم يكتو الفلسطينيون بنار الوعود الكاذبة من قبل، الوعود التي ستجد اسرائيل مئات المبررات للتراجع عنها. فما قيمة ذلك؟!

ما قيمة الحديث عن ازالة بعض الحواجز غير الضرورية؟ ومن يقرر او يحاسب اسرائيل عندما لا تلتزم بما وعدت به؟! الا يذكرنا هذا بالمستوطنات العشوائية التي كانت اسرائيل تزيل واحدة منها اليوم وتبني عشرة مواقع بدلا منها في اليوم التالي؟

الحقيقة ان الاجتماع على العشاء، وفي منزل اولمرت في القدس لإبعاد اية صفة رسمية عنه، لم يكن ليثمر اية نتائج ولم يثمر. فاذا كانت الغاية تقبيل اللحى والضحك عليها كما يقول المثل الشعبي فقد حدث ذلك بكل المواصفات المطلوبة وشاهدناه.

فهل سيؤدي هذا لتحسين صورة عباس؟ وهل بهذه الاساليب تتعزز مكانة اية قيادة امام شعبها؟

وهل سيؤدي هذا الى تخفيف التوتر والتقدم نحو التسويات المطلوبة المعقولة - ام لا تزال الجهود تمضي في الاتجاة المعاكس تماما؟

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق