محمد أبو رمان

حقوق الإنسان.. أولاً وأخيراً

تم نشره في الخميس 14 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

احتفل العالم قبل أيام بمرور ثمانية وخمسين عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10/12/1948)، إلاّ أنّ هذه الذكرى مرت على العرب مرور الكرام، دون أن يلتفتوا اليها، أو يعيروها أدنى اهتمام، بما يعكس الواقع المجرد من مضامين هذا الإعلان واستحقاقاته كافة.

غياب الاهتمام العربي رسمياً وشعبياً، بالإعلان العالمي، يلفت الانتباه إلى هامشية قضية حقوق الإنسان لدينا، وإلاّ فإنّ مناسبة كهذه، على رداءة الواقع، كانت جديرة بأن تكون فرصة كبيرة للمجتمع المدني والإعلام والمثقفين والسياسيين لإدانة الحالة المتردية التي بات يعيشها الإنسان العربي، ليس فقط على صعيد الحقوق السياسية والمدنية أو الاقتصادية والاجتماعية، بل وحقوقه الآدمية الأساسية ووجوده كمخلوق له الحق الأساسي في الحياة! فمناسبة، كهذه، تشكل مساحة فكرية وسياسية حقيقية لمحاكمة السلطة ومساءلتها وحشد الشارع العربي، أو على الأقل مخاطبته، حول حقوقه المسلوبة.

ثمة ذرائع مختلفة ادّعتها النظم العربية لانتهاك حقوق الإنسان واستباحة كرامته. ففي المراحل الأولى جُعِلت الوحدة العربية والقضية الفلسطينية وشعارات كـ"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" و"لقمة الخبز أولاً" عناوين لتبرير النظم البوليسية- القمعية والسجون والمعتقلات والتجسس ومصادرة الرأي الآخر والغاء الحقوق السياسية والإنسانية كافة للمواطنين. ثمّ جاءت الحرب على الإرهاب (بعد 11 سبتمبر2001) لتشكل مدخلاً جديداً لانتهاك حقوق الإنسان، وتعاونت في ذلك الدول الصديقة للولايات المتحدة والمعادية لها على السواء، كما نالت هذه الانتهاكات الإنسان العربي والمسلم، وهو يعيش في الغرب، فتعرّضت حرياته وحقوقه المدنية والسياسية للاغتصاب دوناً عن خلق الله.

إذا كان هذا حال النظم السياسية، فما هو غير مفهوم موقف القوى السياسية والمعارضة التي لم ترفع راية حقوق الإنسان ولم تقدمها في أوّليات خطابها السياسي، في حين حظيت قضايا سياسية أخرى، بلا شك مفصلية وحيوية، كالقضية الفلسطينية ومقاومة الهيمنة باهتمام هذه القوى، وبحجة هذه القضايا وممانعة المشروع الامبريالي تحالفت قوى إسلامية ويسارية وقومية مع نظم متسلطة مستبدة فاسدة، على حساب شعوب تلك الدول وحقوق مواطنيها الأساسية، وكأنّ الإنسان الفاقد لحقوقه الأساسية المهمش والخائف المرعوب قادر على الدفاع عن أرضه أو نصرة قضاياه أو حتى مقاومة الاحتلال والهيمنة.

في السياق الثقافي؛ لم نسع إلى بلورة مفاهيم وقيم حقوق الإنسان في مناهجنا التربوية والتعليمية ولا في أدبيات الأحزاب السياسية وفي التنشئة والتعليم والتربية أو في صميم القيم الاجتماعية الحاكمة. فكثيرٌ من قوى المعارضة لو استلمت الحكم لفعلت أكثر مما تفعله الحكومات الحالية اليوم. ولو تخلّص الإنسان من الحاكم الدكتاتور- الفاسد فلن يتخلص من ورثته، وممن كانوا بالأمس أعداءه، فالمواطن، الفاقد مواطنته عملياً، هو من يدفع الضريبة الأمس واليوم وغداً. المثال الحي على ما نتحدث عنه في العراق كليّاً ولبنان جزئياً، أما ما يحدث في فلسطين بين حماس وفتح فما هو إلاّ تمارين بالذخيرة الحية أو ألعاب نارية مقارنة بما ستؤول إليه الحال لو تطوّرت الأمور نحو الأسوأ.

الأخطر من ذلك أن يتم تمييع الالتزام بمضمون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باسم الدين، أو على حد تعبير فريد هاليداي بالحديث عن "امتناعية الهيمنة" الكونية لمفاهيم وقيم حقوق الإنسان، هذه الذريعة هي كالحديث عن "الإصلاح من الداخل" كلمة حق أريد بها باطل كرفع المصاحف على أسنة الرماح؛ فلو حلّلنا وشرّحنا مواد الإعلان العالمي لوجدنا أنّ 90% منها لا خلاف عليها بين الأديان والثقافات، والنسبة القليلة المتبقية، لا تذكر، وهي موضع خلاف، في الفقه الإسلامي كقصة الحرية الدينية، وحتى وإن كانت تتضارب مع بعض أحكام الشريعة فالمسألة تقاس بالمصالح الراجحة. في المقابل؛ لو وقفنا عند سجل الدول العربية في حقوق الإنسان، لوجدناه سجلاً أسود بامتياز، سواء في الحقوق المتفق أو المختلف عليها، ما يجعل من قصة "نسبية حقوق الإنسان" أو "الامتياز الوطني" لا قيمة واقعية لها.

"حقوق الإنسان" أولاً وأخيراً، هي القضية التي يجب أن تتصدّر أوّليات أجندتنا، وأن تكون في صميم جدالاتنا ومناظراتنا، وأن نعمل جميعاً على ترسيخها وتجذيرها ليس فقط على الصعيد السياسي، بل الثقافي والاجتماعي.

الإنسان، كامل الإنسانية، الحر، غير المرعوب، هو هدفنا جميعاً، هو من يبني المؤسسات والأوطان، والإنسان المرعوب هو المرشّح دوماً أن يكون أداة لغيره سواء كان جهازا أمنيا أو إرهابيا، أو عضواً في ميليشيا تمارس القتل والذبح المجّاني باسم الدين أو الطائفة أو العرق، فهو من يهدم الأوطان والمجتمعات ويدمر حياته وحياة غيره.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق