ياسر أبو هلالة

مأساة الصحافة تحت القبة!

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

في الغرب نوع خاص من المصورين احترفوا ملاحقة الشخصيات العامة في حياتهم الخاصة، المتلصصون أولئك تسببوا في مقتل الأميرة ديانا وعشيقها دودي الفايد عندما اصطدمت سيارتهما بجدار نفق فقضيا، وهما يحاولان عبثا التواري عن أعين المصورين المتلصصين. في حينها ثار جدل واسع في الغرب حول أخلاقية التلصص على الحياة الخاصة للشخصيات العامة، لكن لم يجرؤ أحد من تلك الشخصيات على الاعتداء على مصور صحافي. وفي احتجاج "أكاديمي" على تلك الظاهرة خرجت أشهر دورية بحثية متخصصة في دراسات الإعلام في جامعة كولومبيا بلا صور.

مأساة الأميرة ديانا معكوسة عندنا، فالصحافي الذي يذهب لمجلس النواب لم يدخل على مزرعة نائب ولم يتلصص من ثقب مكتبه، ولم يدخل على الحيز الشخصي والحميم من حياته، الصحافي تحت القبة يصور مكانا عاما لشخصيات عامة، وفي أكثر الدول تغطى جميع جلسات المجلس على الهواء إضافة إلى الجلسات المهمة في اللجان. ومن المفروض إن يستغل النواب هذه الفرصة أفضل استغلال لعرض مواقفهم والتواصل مع قواعدهم، فالكاميرا مرآة، وكما قال ابن الرومي "إذا كان وجهك قبيحا حسنه ولا تكسر المرآة".

على الطريقة الأردنية تحل الأزمات الجوهرية، فناجين قهوة وقبلات على مضض وتراض مفتعل. المرجح أن تنتهي هكذا واقعة الاعتداء على المصورين الصحافيين. الأولى بنا الاعتراف بأن شخصيات عامة بمواقع مرموقة لا تعرف شيئا عن أولى درجات الصعود إلى الديمقراطية وهي حرية الصحافة. قبل مدة قصيرة ذهب زميل صحافي، بناء على موعد مع وزير متخرج من جامعة غربية ويكثر الحديث بالإنجليزية وعلى محياه ملامح حداثة، وبعد انتظار قال الوزير لمساعدته لا أريد مقابلته، ولم يكلف نفسه بالاعتذار ولا بتأجيل الموعد. ليس ثمة مشكلة في رفض الوزير التعامل مع صحافي، فرامسفيلد، وزير الدفاع الذي أسقط في عهده نظامان ظل إلى أن استقال يرفض أن يركب على طائرته صحافيو نيويورك تايمز، لكن هو لا يتعامل على طريقة وزيرنا باعتبار أن الصحافي موظف علاقات عامة في وزارته، يستدعيه ويرده متى شاء. البديهية تقول أن الصحافة سلطة مثلها مثل السلطة التنفيذية.

الحداثة ليست رطانة باللغة الإنجليزية وملامح مزيفة، الحداثة تفكير قبل كل شيء، والمظاهر المتحضرة لا تلغي حقيقة من تخلف عن قطار العصر. الصحافة الحرة ليست منة من أحد هي مثل الكهرباء التي لا يجوز أن يبقى بيت من دونها. ومن لا يزال يعتقد بأنه يمكن للمجتمع أن يعيش من دون صحافة حرة عليه أن يعيد عقارب الزمن مائة عام إلى الوراء. وبما أن ذلك غير ممكن فعليه أن يتطور أو يضع نفسه في محمية طبيعية باعتباره كائنا معرضا للانقراض.

أعداء الصحافة ليسوا نوابا فقط، بل تجدهم في الوزارات والجامعات، تماما كما تجدهم في أحزاب المعارضة والنقابات. لكن ما حصل في مجلس النواب لا سابقة له، لا في الأردن ولا في خارجه، وهو تعبير عن مستوى وعي بعض من يصلون إلى مجلس النواب بأبسط بديهيات الديمقراطية. ما حدث أعادني إلى جلسة افتتاح الدورة العادية عندما تحدث مرشح المعارضة، زهير أبو الراغب، الذي يعبر عن كتلة نيابية كبيرة معتبرة، وهي كتلة نواب جبهة العمل الإسلامي، ومع أن ترشيحه لم يكن يشكل تهديدا للرئيس عبدالهادي المجالي الذي حقق فوزا سهلا، إلا أن موقف النواب ورئيس المجلس كان غريبا. لم يكد الرجل يهاجم قانون الصوت الواحد حتى قام كثير من النواب بمقاطعته، ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق والنائب المخضرم عبدالرؤوف الروابدة، وهو كان من ألد أعداء الصوت الواحد عام ثلاثة وتسعين، وانتهى الأمر بإسكات رئاسة المجلس لمرشح المعارضة من خلال رفع الجلسة.

مجلس يضيق بكلمة مرشح الأقلية المعارضة، ويهاجم الصحافيين، لا يجوز أن ندعو إلى حله، ولا يجوز أن ينسينا بديهية المادة الأولى من الدستور "نظام الحكم نيابي ملكي". المجلس سيد نفسه، وعند الانتخابات يحاسب النواب. وموعد الانتخابات مقدس لأنه اليوم الذي يحاسب فيه الناس نوابهم. والصور التي التقطها الصحافيون للنواب تحت القبة هي جزء من كشف الحساب، فوق ذلك النواب شخصيات عامة يحاسبون حتى على حياتهم الخاصة. وعلى الصحافيين أن يطاردوهم أينما كانوا!

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حرية الصحافة (طلب الجالودي)

    الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    الاستاذ ياسر ابو هلاله المحترم
    تحية وبعد
    انني من القراء المشاهدين لك ومعجب جدا بالاداء الرفيع و المميز لعملك الصحفي من حيث المهنية والموضوعية العالية والتحليل العميق , انني من المطالبين بالحريه المطلقة للصحافة على ان تكون صحافة مسؤولة والحماية الكاملة للصحفيين من اي اعتداء, وحق الناس في معرفة الحقيقة والواقع .
    ولكن للاسف الشديد ان بعض الصحفيين يكون لهم اجندتهم الخاصة ومحسوبين على بعض الاطراف والجهات ويمكن شراء مواقفهم واقلامهم حتى ان البعض يبالغ حين يقول ( ان الصحفي الغير محسوب على جهة معينة يكون صحفيا فاشلا). لذلك اتمنى ان يكون صحفيينا الاردنيين احرارا فيما يكتبون ولكن مسؤولون ولا يمارسون استقواء او ابتزازا بل يمارسون عملهم بكل موضوعية ومسؤولية ودون هوى .
    متمنيا لصحفيينا ونوابنا الاعزاء التوفيق والنجاح بالمسؤليات الوطنية الجليلة الملقاة على عاتقهم , وان يجنب الله الاردن الغالي كل مكروه .
    مع خالص حبي وتقديري
  • »القلم الحر (مخلد الدعجه)

    الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    السيد ابو هلاله
    بارك الله بك وبقلمك الحر وبصراحتك وافكارك ومواقفك الوطنيه . وللاسف لم يوصلنا الى هذه الحاله البرلمانيه الا قانون الصوت الواحد الذي اوصل البعض الى قبه البرلمان وهم لا يستطيعون التفريق بين السلطة التشريعيه والسلطة التنفيذية وجعلوا من الوطن مزرعه خاصه . وبالنهاية ماذا نتوقع من مجلس كهذا لنا الله في اردننا الذي لا يستحق الا الخير ولهم ولمن اوصلوهم الى القبه يوم الحساب .
  • »الحافظ الله (م.صايل العبادي)

    الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    الحافظ الله على هالنواب ، ولا غرابه فهم مع كل الاحترام والتقدير وانا اخاف هنا من الملاحقة القانونية لانه لم يصل الامر عند نوابنابعد ان يقتنعوا ان النائب شخصية عامه للمواطن وللاعلامي الحق في مراقبتهاو ملاحقتها ومحاسبتها، اقول لا غرابه لأن هكذا قانون يخرج هكذا نواب ، مشاحنات ومشاجرات وهوشات ، وكمان تكتلات ضد نواب المعارضة ، يعني كنا بحكومه واحدة على هالشعب صرناوالحافظ الله بحكومه ونواب كمان وبعد كم شهر ترفع الحكومة التي تفي دائما بوعودها سعر الكاز ، وسترى ماذا يمكن ان يفعل هولاء النواب ، خاصة بعد ما يغسلوا ذنوبهم بالحجة التي اكرمهم بها معالي وزير الاوقاف متجاوزا على حقوق المواطنين الضعفاء ، واعتداء على الصحافة يا ســـــلام!!.
  • »( الطبيب يضرب في المستشفى من اهل المرضى وهو يقوم بعمله , الصحفي يضرب في البرلمان وهو يقوم بعمله) (أبو يوسف)

    الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    معظم النواب في الأردن يدخلوا المجلس للأكتساب وليس لخدمه الوطن ( تحسين وضع معيشي من خلال السيارات والأعفاءات و ..وو ).
    أو إذا كان ميسور الحال –الله اعلم من اين اتى بهذا المال- يدخل المجلس كنوع من انواع ( البرستيج) ليسد عقدة النقص بعد ان فقد لقب معالي الوزير أوعطوفة المدير!!!

    ( الطبيب يضرب في المستشفى من اهل المرضى وهو يقوم بعمله ; الصحفي يضرب في البرلمان وهو يقوم بعمله)
    ما في مشكلة كبيرة مع شوية (زعران) طول ما في قهوة و فنجان !!!!!
    شكرا يا ياسر ابو هلالة .....على قولك ما في قلوبنا
  • »نواب اخر ديمقراطية (Bilal)

    الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    لا ادري هل نستطيع ان نغير المثل القائل من شب على شيء شاب عليه, وفاقد الشيء لا يعطيه. كيف نريد من شخص امضى حياته لا يعرف الا الديكتاتورية والتسلط ان يصبح ديمقراطيا بين ليلة وضحاه حتى وان لبس البدلة وربطة العنق. مجل نوابنا جاء نتيجة قانون لا يصلح في اي دولة في العالم. اذا اردنا نوابا يحترمون الراي الاخر ويؤمنون بتعدد الاراء يجب ان نغير قانون الانتخاب الشاذ.