تقرير حول تقرير بايكر- هاملتون

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

قامت القيامة ولم تقعد حتّى الآن على تقرير جيمس بايكر الجمهوريّ ولي هاملتون الديموقراطيّ. فبين "المحافظين الجدد" في الولايات المتّحدة الأميركيّة وبين بعض القيادات العراقيّة، الكرديّ منها والشيعيّ، قُرعت طبول الحرب وأُعلن الويل والثبور. أمّا في سوريّة، ولدى بعض أتباعها اللبنانيّين، فساد الاصطهاج والتبشير بغدٍ بديل يعمّ فيه الحقّ وتنتصر العدالة!

أغلب الظنّ أن التقرير لا في عير هؤلاء ولا في نفير أؤلئك. ولا بأس هنا بتقديم بضع ملاحظات عامّة تضع النصّ المذكور في سياقه بعيداً من المواقف التي تغلب عليها الرغبات لدى الطرفين.

فهو، أوّلاً، يعيد الاعتبار الى مبدأ الواقعيّة في السياسة ضدّاً على مركزيّة الاعتبارات الايديولوجيّة كما سادت في عهدي جورج دبليو بوش.

وهو، ثانياً، يعطي للدبلوماسيّة دوراً ملحوظاً في تذليل المشكلات بين أطراف متخاصمة. ذاك أن الأمور بين الدول لا تقتصر على الأبيض والأسود، التطابق أو التحارب.

فالواقعيّة والديبلوماسيّة، في عرف بايكر وهاملتون، تخدمان المصالح الأميركيّة أكثر مما تفعل الدعوة الديمقراطيّة التي ثبت أن مقدّماتها ضعيفة جدّاً في المجتمعات المدعوّة الى اعتناقها، وأن عوائدها تصبّ في مصلحة خصوم أميركا(إيران، الحركات الأصوليّة...).

وهاتان السمتان، أي الواقعيّة والديبلوماسيّة، جيّدتان من حيث المبدأ، ومتقدّمتان على صعيد الفكر السياسيّ وعقلانيّته. كما أنّهما، إذا ما عُمل بهما، أدّتا الى تقليل الأكلاف الانسانيّة وغير الانسانيّة التي تنسحب على الحروب والتوتّرات في العالم، لا سيّما منطقتنا.

أمّا في السياسات المباشرة، فيمكن التوقّف عند ملامح ثلاثة للتقرير:

فأوّلاً، حيال العراق، هناك رفض عميق للتفاؤل البوشيّ بالانتصار وتوكيد على ضرورة مراجعة السياسة الأميركيّة هناك. وهو ما لا يمكن إلاّ أن يصادق عليه كلّ من يملك عيوناً ترى وآذاناً تسمع. ولنا أن نضيف أيضاً أن المتمسّكين بآخر الفرص المتبقّية للوصول الى العراق سلميّ وموحّد لا يسعهم إلاّ الترحيب بالخلاصة هذه.

وثانياً، حيال فلسطين وإسرائيل، هناك نقلة بارزة في اتّجاه إعطاء نزاع الشرق الأوسط أهميّة ينبغي ألاّ يحجبها الحدث العراقيّ أو "الحرب على الإرهاب". والحال أنّنا، للمرّة الأولى منذ سنوات، أمام ربط بين المسألتين يُراد به إغراء العرب والإيرانيّين في آن معاً، فيما تدفع إسرائيل بعض أكلافه.  

وثالثاً، هناك إغراء لسوريّة متعدّد الأوجه، بعضه يتّصل بتحكيم الديبلوماسيّة وامتحاناتها في العلاقة معها، بدلاً من ترك القطيعة والعداء وحدهما يتحكّمان بالعلاقة هذه، وبعضه يتّصل بإحلال وضع في المنطقة مريح لها، لا تُستثنى منه هضبة الجولان.

كلّ هذا ممتاز من حيث المبدأ، خصوصاً أن لبنان يقع خارج عرض المقايضة الأميركيّة - السوريّة كما يتصوّرها التقرير. ولنتذكّر دوماً الفارق الكبير بين الحالات المطروحة، وهو أن لبنان لا يخضع لاحتلال كالذي تخضع له فلسطين أو العراق، فيما مشكلته الأولى راهناً متعلّقة بالمطامع السوريّة.

بيد أن المصاعب والعراقيل ليست بسيطة بدورها:

فأوّلاً، هل تتبنّى الإدارة هذا التقرير، خصوصاً بعد الانتقادات التي وجّهها بعض كبار رموزها لتوجّهاته؟ صحيح أن "استقالتي" دونالد رمسفيلد من وزارة الدفاع وجون بولتون من الأمم المتّحدة، معطوفتين على نتائج انتخابات منتصف الولاية، توحي بتغيّر ما في توجّهات واشنطن. غير أن المسافة التي يُفترض بالتغيّر أن يقطعها ليست، حتّى إشعار آخر، معروفة.

وثانياً، هل يعمل الديموقراطيّون، الذين يُفترض أنهم متحمّسون للتقرير، على إعاقة اعتماده إبّان ما تبقّى من ولاية جورج بوش، تاركينها تراكم الأخطاء وتقلّل فرص الفوز أمام المرشّح الجمهوريّ المقبل للانتخابات الرئاسيّة؟

والتحفّظات والاستدراكات لا تقف هنا، إذ هي تتّصل، في حال العمل بالتقرير، بالأطراف المعنيّة الأخرى:

- فهل يمكن أن تذعن إسرائيل، في ظلّ قيادتها الضعيفة الحاليّة وشعورها بالتوتّر إثر حرب الصيف الماضي، لتوصيات التقرير؟

- وهل يمكن أن تقبل سورية بدفتر الشروط التي تبدأ ولا تنتهي الموضوعة عليها؟ وهل يمكن للعلاقة السوريّة-الإيرانيّة أن تعاود تكييف نفسها مع موجبات التقرير ومستلزماته؟

وما هو أبعد من ذلك:

- هل الفلسطينيّون، في وضعهم الراهن، قادرون على أخذ ما قد يُعرض عليهم؟

- وهل توجد، إذا ما قرّرت الولايات المتّحدة إعادة الاعتبار للديبلوماسيّة، ديبلوماسيّة مقابلة عند السوريّين والإيرانيّين، لا سيّما عند الطرف الأوّل في ظلّ معاناته مع المحكمة الدوليّة؟

- أمّا موضوع المواضيع في ما خصّ سورية، فهل أنها فعلاً تريد استعادة الجولان والعيش في منطقة أكثر استقراراً مقابل خسارة "القضيّة" بما فيها لبنان؟

هذه قد لا تكون الأسئلة الوحيدة، وهناك بالتأكيد ما هو أكثر منها. إلاّ أنها كافية للجزم بأن الضجيج الذي أحاط بالتقرير، سلباً وإيجاباً، أكبر بكثير من قدراته ومن الاحتمالات المتاحة أمامه. فالأوضاع في الولايات المتّحدة، ولكنْ خصوصاً في منطقتنا، أضحت أشدّ تعقيداً وصعوبة من أن يستطيع تقرير حصيف معالجته.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق