حماس وفتح على مفترق الطرق

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

إن السياسة الفلسطينية تقترب الآن من نقطة اللاعودة. فلقد اشتد الصراع على السلطة بين منظمة حماس الإسلامية من جهة، والرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة فتح العلمانية/ القومية من جهة أخرى، وتفاقم التوتر إلى حد الاشتباك في قتال صريح.

منذ تأسست حماس في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كانت ترفض الخضوع لزعامة منظمة التحرير الفلسطينية. ولقد أكد الانتصار الذي حققته حماس في الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام الماضي - والذي شكل حداً فاصلاً للديمقراطية- أنها قد بلغت مرحلة النضوج السياسي. فللمرة الأولى في التاريخ الفلسطيني تتحقق الغلبة لحزب إسلامي. إلا أن فتح لم تتقبل الهزيمة، وترى حماس، عن اقتناع، أن بعض العناصر داخل فتح تؤيد المخططات الإسرائيلية والأميركية الرامية إلى إسقاط حكومة حماس.

يظل عباس شاغلاً لمنصب الرئيس الفلسطيني، وهو طبقاً للقانون الأساسي قائد لكافة أجهزة الأمن الفلسطينية. ولكن على الرغم من ولاء أغلب أجهزة الأمن له، فقد تمكنت حماس خلال العام الماضي من إنشاء جهاز أمني بديل يتألف من 4000 عضو ويسمى "قوة العمليات". فضلاً عن ذلك فقد أعلنت حماس عن خططها الرامية إلى تجنيد 1500 فرد أمني إضافيين للعمل في الضفة الغربية، معقل فتح. وأثناء الأسابيع الأخيرة تصادم الجانبان عدة مرات عبر قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى زيادة حدة التوتر.

تأتي هذه المواجهات في الوقت الذي كان فيه عباس يحاول إقناع حماس بتخفيف موقفها المعادي لإسرائيل والتحالف مع فتح في حكومة وحدة وطنية. ويعتقد عباس أن قبول حماس للدخول في مفاوضات مع إسرائيل يشكل السبيل الوحيد لكسر الحصار الدولي الذي يُـخَـرِّب المجتمع الفلسطيني.

على الرغم من هذا، يسعى كل من الجانبين إلى بناء قواهما وبسط نفوذهما. وتقترح تقارير الجهات الاستخباراتية أن حماس تهرب الأسلحة والمتفجرات من سيناء إلى قطاع غزة بمعدلات متسارعة. وتخطط الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبعض الحكومات العربية لتسليح وتدريب القوات المخلصة للرئيس عباس، وبصورة خاصة حرسه الرئاسي. وهم بهذا يجهزون القوات التابعة له في غزة لمواجهة مع حماس. وهم يرون أن هذه المواجهة قادمة لا محالة.

تدرس إسرائيل الآن طلب عباس السماح له بجلب الأسلحة والذخائر على أمل تدعيم القوات الموالية له. وهناك أيضاً اقتراح أميركي يقضي بالسماح للواء بدر -أحد أجنحة جيش تحرير فلسطين الذي يتخذ من الأردن حالياً مقراً له- بالانتقال إلى الأراضي الفلسطينية للعمل كقوة انتشار سريع في غزة تحسباً لاندلاع حرب أهلية. ويتألف لواء بدر من عدة آلاف من الفلسطينيين، أغلبهم من الناشطين القدامى في منظمة التحرير الفلسطينية.

في ظل هذه المناورات المستمرة، نجد إسرائيل ومصر تعملان معاً من أجل دعم عباس وفتح. فمع وقوع قطاع غزة في الساحة الخلفية لمصر، عملت مصر عدة مرات كوسيط لتسوية الخلافات بين حماس وفتح، ولقد ظلت تحاول بلا جدوى حتى الآن الترتيب لعملية تبادل أسرى مع إسرائيل منذ اختطاف حماس الجندي الإسرائيلي جيلاد شاليت.

إلا أن حكومة مصر غاضبة من حماس بسبب معارضتها للدخول في حكومة تحالف. كما أدى أسر شاليت إلى تعميق الفجوة بين حماس وفتح، التي ترى أن عملية الاختطاف كانت مدبرة بغرض تخريب المناقشات بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وتخشى مصر على نحو أكثر عموماً أن تتحول غزة إلى منطقة متطرفة سياسياً يهيمن عليها تعصب حماس. وتخشى مصر أن يشكل هذا دعماً لمتطرفي الداخل الذين حاربتهم الحكومة لمدة طويلة.

كما تخشى مصر اندلاع حرب أهلية بين حماس وفتح. وعلى الرغم من أن حماس قد استبعدت هذا الاحتمال، إلا أنها لم تبد أي تردد في استخدام القوة الصارمة ضد معارضيها. وعلى نحو مماثل يقول محمود الزهار، وزير خارجية حكومة حماسن إن أي محاولة لحل الحكومة الحالية أو الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة من جانب عباس من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية. ولقد كان الخوف من وقوع معارك ساخنة سبباً في دفع العديد من الفلسطينيين إلى محاولة الدخول إلى مصر، فاضطرت الحكومة المصرية بالتالي إلى نشر قواتها على الحدود بهدف السيطرة على أي خروج جماعي.

أما إسرائيل من جانبها فهي تخشى من تشديد حماس لقبضتها العسكرية على غزة، سواء من حيث دعم تحصيناتها أو تعزيز قدراتها على إطلاق صورايخ القسّام باتجاه المدن الإسرائيلية المجاورة. وقد لا تنتظر إسرائيل عباس وقواته، فتبادر إلى القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق بهدف إضعاف حماس.

تُرى هل تستطيع حماس وفتح أن تنحيا خلافاتهما جانباً وأن تشكلا حكومة وحدة وطنية؟

يقول عباس إنه في حالة رفض حماس للمشاركة في تشكيل حكومة تحالف، في غضون الأسبوعين القادمين، فلسوف يضطر إلى حل الحكومة الحالية، وهو تحرك لن تتسامح معه حماس. إلا أن تشكيل حكومة تحالف ليس من المرجح أن يخفف من حدة التوتر بين حماس وفتح. بل من المرجح أن تقع مواجهات جديدة بمجرد تشكيل حكومة جديدة.

من المفارقات العجيبة هنا أن الوسيلة الأكثر ترجيحاً لتجنب وقوع مواجهة واسعة النطاق بين فتح وحماس تتلخص في إقدام إسرائيل على اجتياح غزة. فعلى ما يبدو أن مواجهة الجانبين لإسرائيل معاً تشكل السبيل الوحيد الذي قد يدفع الفصائل الفلسطينية المتخاصمة إلى تأجيل وقوع المواجهة الدموية بينها.

مخيمر أبو سعدة أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر في غزة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق