د.باسم الطويسي

ادفنوا البحر الميت

تم نشره في الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

من يسمع كل هذا الضجيج الإعلامي، أو بكلمات أكثر حيادية، السمعة التي حققها البحر الميت خلال الخمس سنوات الماضية عبر احتضان عشرات الملتقيات والمنتديات العالمية والإقليمية من دافوس البحر الميت وقمم سياسية واقتصادية وفعاليات لمجتمعات مدنية وصولا الى منتدى القيادات الشبابية العربية ومنتدى المستقبل الأخير، لا يخطر في باله إلا ان الشواطئ الشرقية للبحر الميت الأردني تعج بعشرات المنتجعات السياحية وسلاسل من الفنادق العالمية تملك عشرات الآلاف من الغرف الفندقية، وان هذا المرفق الطبيعي يقدم قيمة مضافة عالية للاقتصاد الأردني، ولن يخطر في بال من يتابع هذه الوقائع ان كل هذا الضجيج على شواطئ تمتد نحو (85) كلم لا تضم سوى ثلاثة فنادق يعمل منها اثنان فقط، ومعظم مشغليها جهات حكومية، أي ان فواتير زبائنها تسدد من خزينة الدولة.

يمثل الاستخدام السياحي لشواطئ البحر الميت احد اكتشافات مرحلة تطلعات معاهدة السلام الأردنية– الإسرائيلية التي رفعت سقف التطلعات الاقتصادية ورسمت أحلام وردية حول مستقبل السياحة الأردنية. وكما يعلم الجميع ذهبت تلك التطلعات أدراج الرياح وبقيت "ثقافة الكورنيش" كما تبدو في العقبة والبحر الميت، (90%) من زوار المنشآت السياحية في البحر هم من الأردنيين أو من الضيوف الرسميين، وأكثرهم لا يغادر الفندق من بداية الزيارة حتى نهايتها فالمنتج السياحي- حسب لغتهم- يختصر في الفندق ولا علاقة له بالبيئة الطبيعية وما تكتنزه من عناصر جذب فريدة، بمعنى انه لو أقيم منتجع سياحي وسط الصحراء الشرقية وقصر مؤتمرات وصاحب ذلك صناعة هوية إعلامية للمكان لما اختلف الأمر كثيراً.

البحر الميت كان من الممكن ان يكون هبة الطبيعة للأردن، لو تم النظر إلى مفهوم السياحة على جزء من شواطئه بزاوية اخرى أكثر معرفة وإطلاعا بما يجري في العالم من خلال تطوير سياحة تراث الطبيعة وربطها بالصحة العلاجية بمنظور أكثر سعة ومعرفة. والبحر الميت كان من الممكن ان يكون مستودع ثروات الأردن، لو تم تطويره كبيئة لصناعات تعدينية بما يحتويه من معادن وثروات نادرة ليس البوتاس والأملاح المستغل بعضها في الجزء الجنوبي منه إلا رأس الجبل العظيم الممعن في باطن الأرض.

والبحر الميت أيضا كان من الممكن ان يكون قاعدة لصناعة وطنية أردنية متقدمة ليس على غرار المناطق الخاصة والمؤهلة، بل صناعة نوعية صديقة للبيئة تتدنى فيها نسبة التنافسية الإقليمية، ومن الممكن ان تحل جزءا كبيرا من مشاكل الأردن الاقتصادية من تطوير صناعة واحدة والارتقاء بها عالمياً، ومثال ذلك ما توفره بيئة هذا البحر لصناعة عشرات الأنواع من المستحضرات التجملية والصحية بجلب بيوت الخبرة العالمية وترويج هوية عالمية لها؛ ألم يقم اقتصاد دولة متقدمة مثل فنلندا على صناعة واحدة ضمن شركة واحدة تشغل أكثر من نصف القوى العاملة في واحدة من أرقى دول العالم في نوعية الحياة.

قبل أكثر من الفي سنة كتب الجغرافي اليوناني (استرابو) نصاً طويلاً حول البحر الميت حينما كانت تملؤه الحياة -على رأي المرحوم مؤنس الرزاز-، يقدم (استرابو) نصه في الجغرافيا السياسية والاقتصادية حول البحر الميت بتفاصيل لا تزال تحتاج إلى قراءة معاصرة، فلقد كان البحر الميت ولقرون طويلة مصدراً لمعادن نفيسة منها القار الذي استخدمه المصريون القدماء في التحنيط.

وفي القرون اللاحقة شهد البحر الميت منافسة دولية شديدة وحافظ الأنباط على هويته واستثمروه اقتصادياً وانتصروا في ثلاث معارك دفاعاً عنه ضد الأطماع السلوقية فقد كانت السيطرة على ثرواته حلما لقادة الاسكندر الكبير.

البحر الميت ليس مجرد فندق مغلق وبضعة سياح رسميين، وبلادنا ليست فقيرة بل الفقر في رؤوسنا.

basimtwissi@hotmail.com     

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »This is a great article (JORDANIAN)

    الأحد 17 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    البحر الميت كان من الممكن ان يكون قاعدة لصناعة وطنية أردنية متقدمة
    Poverty is in our heads, true, it's also in our body, manifested in the system that governs us
  • »ميزة تنافسية (نسيم محمد)

    الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    اعجبني كثيرا قولك ان البحر الميت من الممكن ان يكون قاعدة لصناعة وطنية أردنية متقدمة و صناعة نوعية صديقة للبيئة وازيد على ذلك ايضاان البحر الميت من الممكن ان يكون ذا ميزة تنافسية للسياحة الارنية
  • »جزيل الشكر (رؤيا)

    الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    اشكرك سبد باسم جزيل الشكر لمحاولتك استنطاق هذا الموضوع الذي يجب ان يكون حيوي
    ولكن دعني اضيف ماذا قدمنا على هذا الصعيد للبتراء والتي تطال سمعتها كل الدنيا ونجهلها نحن الذين حولها، ولماذا لا تدخل هذه المواقع والعمل من اجلها ضمن استراتيجيات الدولة والمجتمع
  • »البحر الحي الغني (musa)

    الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    هذا البحر يا سيدي لو كتب له ان يكون حياً لكان وضعه ربما اسوأ من وضعه وهو ميت، فلله في خلقه شؤون !!!
  • »قناة العربية الفضائية والبحر الميت (طلب الجالودي)

    الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    تحية طيبة وبعد
    يبدو ان( قناة العربية) لم تسمع بالبحر الميت مطلقا ولا تعرف اسما لذلك التجمع المائي الملحي حيث انني حين كنت اشاهد نشرة الاخبار المسائية امس .
    قال مندوبها الموفد للمؤتمر انه ينقل تقريرة عن المؤتمر من مدينة (الشونة الاردنية )ولم يشر الى البحر الميت ابدا .
    مع اعتزازنا الكبير بمدينة الشونة الباسلة والتي سطرت هي وجارتها الكرامة البطلة اسطورة عز وفخار للاردن والعرب والمسلمين في اهم معركة مع العدو الصهيوني هي( معركة الكرامة).
    الا انني اعتقد ان تجاهل ذكر البحر الميت في قناة العربية كان مقصودا من المحطة والعاملين عليها لاسباب غير مفهومة .
    مع اطيب تحياتي .

    طلب الجالودي
  • »نعم للمزيد من هذا الطرح (رولاالنعيمات)

    الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    هذا الجمود في اظهار اهمية هذاالموقع الجغرافي والتاريخي الفريد وانعدام الاستفادة منه في الاصعدة السياحة والاقتصادية يثير الاحباط والاستياء ولكنا لن نعدوا لدفن هذا الموقع العظيم

    ولكنا نزداد بالامل والتفائل بهذه الاقلام لاثارة المزيد من التحفيز من اجل اظهارالاردن بما يليق بتاريخه وحقه في الاستفادة منه.