الصين وديونها الخضراء

تم نشره في الجمعة 1 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

ظل العالم لعقد من الزمان يتساءل متى سيدرك قادة الصين حجم الأزمة البيئية الساحقة التي تواجه بلادهم. وفي هذا العام أصبح لدينا الجواب: خطة خمسية جديدة تجعل من حماية البيئة أولوية قصوى. ثم أعقب ذلك عاصفة من الدعاية الخضراء، وأصبحت الحكومة تتحدث الآن عن استخدام "الناتج المحلي الإجمالي الأخضر" لقياس التنمية. ولكن هل يترجم كل هذا الكلام إلى تقدم حقيقي؟

على الرغم من اعتراف الحكومة المركزية ببعض المشاكل البيئية المترتبة على النمو الاقتصادي السريع، إلا أن الصورة التي ترسمها ليست كاملة. ولنتأمل مسألة "الناتج المحلي الإجمالي الأخضر". في هذا الربع من العام أصدرت وزارة الدولة لحماية البيئة أول تقدير رسمي للناتج المحلي الإجمالي المعدل وفقاً للخسائر البيئية. وطبقاً لهذه الحسابات، فإن عمليات إزالة التلوث الحاصل أثناء العام 2004 تتكلف 48 ألف مليون دولار أميركي، أو 3% من الناتج المحلي الإجمالي لذلك العام. إلا أن الأرقام الأكثر واقعية تقدر الضرر البيئي بما يوازي 8 إلى 13% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين كل عام، وهذا يعني أن الصين قد خسرت كل ما كسبته تقريباً منذ أواخر السبعينيات بسبب التلوث.

إن المشاكل البيئية التي تواجهها الصين، مع تعقد الأسباب المؤدية إليها، يمكن إرجاعها في النهاية إلى فهمنا المغلوط للماركسية. ففي أكثر تاريخنا الحديث لم نر في الماركسية سوى فلسفة للصراع الطبقي. ولقد اعتقدنا أن التنمية الاقتصادية قادرة على حل مشاكلنا كافة. وأثناء فترة الإصلاح تحول هذا الفهم الخاطئ للماركسية إلى ملاحقة غير مقيدة للمكسب المادي بلا أي اعتبار أخلاقي. وعلى هذا فقد نحينا جانباً الثقافة الصينية التقليدية بكل تأكيدها على التجانس بين البشر والطبيعة.

ونتيجة لهذا فقد أصبح المجتمع الصيني خاضعاً لهيمنة مصادر تلوث يحركها عطشها إلى الموارد، مثل مناجم الفحم والمعادن، ومصانع النسيج والورق، ومصانع الحديد والفولاذ، ومصانع البتروكيماويات، ومنشآت إنتاج مواد البناء. أضف إلى ذلك، التضخم السريع الذي تشهده مدننا الآن، الأمر الذي يؤدي إلى استنفاد موارد المياه وإحداث اختناقات مرورية مروعة.

إن ربع سكان الصين يشربون مياه دون المستوى المعياري المفروض؛ وثلث سكان المناطق الحضرية يستنشقون هواءً ملوثاً إلى حد كبير. فضلاً عن ذلك فقد شهدت البلاد أخيراً عدداً كبيراً من الحوادث البيئية. والحقيقة أن الصين تعاني من حادثة تتسبب في تلوث المياه كل عدة أيام في المتوسط.

وعلى الرغم من توقيع الصين على بروتوكول كيوتو وحوالي خمسين اتفاقية بيئية دولية أخرى، إلا أننا لا نحترم هذه الاتفاقيات كما ينبغي لها. وإذا لم نكن جادين في تحديث بنيتنا الصناعية فلسوف نمنى بالفشل حين يأتي الوقت الذي يتعين علينا فيه أن نفي بالتزاماتنا وتعهداتنا فيما يتصل بتخفيض معدلات انبعاث المواد والغازات الضارة بالبيئة. ومع أن الخطة الخمسية الجديدة تحدد أهدافاً طيبة، إلا أن العديد من الأقاليم أخفقت حتى في الوفاء بالأهداف الرئيسية لحماية البيئة عن الخطة الخمسية السابقة.

الحقيقة أن التقدم الاقتصادي الذي حققته الصين خلال العقود الثلاثة الماضية تطلب من الغرب مائة عام لكي يحقق تقدماً مثيلاً له. إلا أن الصين قد عانت أيضاً خلال العقود الثلاثة الماضية قدراً من الضرر البيئي يوازي ما قد يحدث خلال مائة عام. ومما يدعو للأسف أننا، على النقيض من الدول الغربية، لا نستطيع أن نتحمل الانتظار حتى يصل نصيب الفرد لدينا في الناتج المحلي الإجمالي السنوي إلى عشرة آلاف دولار أميركي، قبل أن نبادر إلى التعامل مع مشاكلنا البيئية. ويتوقع خبراؤنا أن الأزمة البيئية سوف تتفاقم حتى تصل إلى مرحلة حرجة حين يصل نصيب الفرد السنوي في الناتج المحلي الإجمالي إلى ثلاثة آلاف دولار أميركي فقط.

ولكي يزداد الطين بلة، فبينما ننبذ أفضل عناصر ثقافتنا التقليدية، فقد فشلنا أيضاً في استيعاب الجوانب الطيبة للحضارة الحديثة. فنحن نتجاهل إلى حد كبير مفهوم "العقد الاجتماعي" القائم على الحقوق والواجبات ـ أو القيم الأساسية التي تشكل أكثر الشروط أهمية لتحقيق النجاح فيما يتصل بمحاولات حماية البيئة. ونتيجة لهذا فإننا كثيراً ما نفشل في ضم تكاليف مشاريع حماية البيئة إلى تكاليف الإنتاج. ونادراً ما يشغل أي شخص باله بحساب التكاليف البيئية التي قد يتحملها الفقراء، أو حقوقهم التي ينبغي علينا أن نرعاها.

إنها لضرورة ملحة أن يتم تقدير العوامل البيئية بطريقة واقعية أثناء التخطيط للاقتصاد الشامل في الصين. وهذا يتطلب الاستعانة بإستراتيجية أكثر عقلانية في التخطيط للمشاريع الصناعية الكبرى والمؤسسات المتعطشة للطاقة. ولابد من القيام بدراسات متأنية لتحديد مصادر الطاقة المتاحة، والأرض، والمعادن، والموارد البيولوجية قبل البدء في تنفيذ المشاريع. ولابد من إعادة فحص وترتيب عملية تخطيط الأراضي بالكامل، علاوة على كسر الاحتكارات الصناعية، وتحديد أهداف التنمية وفقاً لتعداد السكان، وحجم الموارد المتاحة، والقدرة على استيعاب التلوث.

وفي النهاية نستطيع أن نقول إن الصين تحتاج إلى إستراتيجية جديدة في التعامل مع الطاقة. لقد نجحت الدول الصناعية في الاستفادة إلى حد كبير من مصادر الطاقة النووية، والشمسية، وطاقة الرياح، والغاز الطبيعي، والعديد من مصادر الطاقة المتجددة. والحقيقة أن القدرات التكنولوجية التي تتمتع بها الصين في هذا القطاع متخلفة كثيراً حتى عن دول نامية أخرى، مثل الهند وباكستان، كما أن اعتمادها على الفحم يعد واحداً من أعظم التهديدات المفروضة على مناخ العالم. قد لا يوجد بديل في الوقت الحالي، إلا أن الطاقة النظيفة على الأمد البعيد سوف تشكل الوسيلة الوحيدة لتحقيق النمو الاقتصادي دون إحداث أضرار بيئية دائمة.

لن يتسنى للحكومة أن تتوصل إلى حلول لهذه المشاكل بمفردها. والشعب الصيني يتحمل القدر الأكبر من المسؤولية عن حماية البيئة، وعلى هذا فلابد وأن يشكل أيضاً القوة الرئيسية الدافعة نحو حماية البيئة. ويتعين على المجتمعات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والشركات التجارية والصناعية أن تضطلع بدورها في حماية البيئة. ولا يجوز لهذه الجهات أن تقصر جهودها على "الإشراف" والاستغاثة بالسلطات. فهي قادرة على توسيع جهودها إلى مجالات أخرى، مثل جلسات الاستماع العامة، والتغطية الإعلامية المكثفة، والأنشطة التطوعية الأخرى. إلا أن القول الفصل في هذا الأمر يرجع في النهاية إلى الحكومة.

فيتعين على قادة الصين أن يتخذوا خطوات راسخة نحو تجاوز الخطابة إلى الشروع في العمل الجاد. وينبغي عليهم أن يمنحوا المسؤولين عن البيئة الصلاحيات الحقيقية اللازمة لتنفيذ القوانين الحالية وسد الثغرات القانونية الموجودة. ولن يتسنى هذا إلا بتفعيل الآليات القانونية القادرة على مكافأة المهتمين بحماية البيئة ومعاقبة المتسببين في التلوث، فضلاً عن توحيد الجهات الكثيرة المتناثرة العاملة في مجال مراقبة وحماية البيئة. وفي المقام الأول، لابد من تأسيس نظام قادر على مراقبة أداء المسؤولين سواء على الصعيد البيئي أو الاقتصادي.

لقد اقتربت الصين من حافة الأزمة إلى حد خطير. ولسوف يكون لزاماً عليها أن تسدد ذلك الدين البيئي الهائل على نحو أو آخر. وبات لزاماً عليها أن تستعين بالبصيرة اللازمة للشروع في تسديد هذا الدين الآن، بينما لا يزال ذلك في مقدورها، بدلاً من السماح لهذا الدين بالتراكم إلى الحد الذي يهدد بإفلاسنا جميعاً.

بان يوي نائب وزير الدولة الصينية لشؤون حماية البيئة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق