محمد أبو رمان

"الصراع على الإسلام" أردنيا

تم نشره في الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

يشهد العالم العربي والإسلامي اليوم صعوداً ملحوظاً وانتشاراً كبيراً للظاهرة الإسلامية، يتجلى ذلك في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، لكن هذه الظاهرة بدورها تتسم بحالة من الانشطارية والصراع على شرعية من يمثل الإسلام الحق. وغالباً ما تتسم العلاقة بين الجماعات والحركات الإسلامية المختلفة بالتضارب ونفي الآخر وصولاً إلى تكفيره، وهي سمة ليست وليدة الواقع المعاصر، فهي امتداد من التاريخ إلى قلب الحاضر، بما يحمله ذلك من تداخل الديني بالسياسي بالاجتماعي، ما يربك مشاريع النهضة في حالة الاستقرار، والسلم الأهلي والاجتماعي في حالة الاضطراب والفتنة الداخلية، ولعل الحالة العراقية واللبنانية اليوم شاهد حي على أثر وتداعيات الانقسامات الدينية والطائفية على امن المجتمع والدولة.

في الأردن، ثمة تعددية في الظاهرة الإسلامية تصل إلى درجة الصراع الكبير بين أطرافها المختلفة على احتكار تمثيل الإسلام لدى المجتمع. وعلى الرغم من هذا الاختلاف والتباين الواضح في كثير من المجالات الفكرية والواقعية إلاّ أنّ السمة الغالبة على الظاهرة الإسلامية ككل، في الأردن، هي أنها قامت بقطيعة مع حركة الإصلاح الديني في العصر الحديث التي قادها الإمام محمد عبده من ناحية، فهي أقرب لتكون تعبيراً عن حالة "الأزمة الاجتماعية" أكثر منها تعبيراً عن مشروع نهضوي تنويري يأخذ مساراً تجديدياً اجتهادياً.

بالاعتماد، مبدئياً، على تصنيف د. ضياء رشوان للحركات الإسلامية، فإنّنا أمام نوعين من هذه الحركات؛ الأولى سياسية لها أهداف سياسية واجتماعية تغلب على أجندتها وخطابها، والثانية حركات دينية يتأسس خطابها على طابع ديني يسعى أكثر إلى الاهتمام بالأحكام الشرعية البحتة، وإن كان هنالك تداخل كبير بين النوعين السابقين.

على صعيد الحركات السياسية- الاجتماعية، يوجد في الأردن ثلاث قوى رئيسة: جماعة الإخوان المسلمين- جبهة العمل الإسلامي، وحزب الوسط الإسلامي، وحزب التحرير. وهي حركات تتخذ موقفاً إيجابياً من الحداثة السياسية والاجتماعية، على العموم، وإن كانت تتباين في موقفها من النظام السياسي ومن طريق التغيير السياسي، حيث تقبل كل من جماعة الإخوان والوسط بالدستور وبالمؤسسات السياسية القائمة وتسعيان إلى التغيير من داخل النظام، بينما يسعى حزب التحرير إلى تغيير النظام نفسه من خلال التغيير الثقافي أولاً، ومن ثم صناعة رأي عام، وصولاً إلى مرحلة "طلب النصرة" أي الانقلاب العسكري الذي يتولاه ضباط في الجيش، من غير ذوي الرتب العالية، الذين ترتبط مصلحتهم بالنظام بدرجة مباشرة.

حزب التحرير يعتبر أن الأردن ليس دولة مناسبة لإقامة الخلافة الإسلامية، إلاّ أنه لا يزال ينشط فيها، وتعد من معاقله الرئيسة، بالإضافة إلى فلسطين ولبنان وأوروبا، وفي الآونة الأخيرة شهدت آسيا الوسطى نموا كبيراً للحزب ودوره هناك. وفي الوقت الذي لا يزال حزب الوسط الإسلامي، حديثاً، لم يمض على تأسيسه قرابة ست سنوات، فإنّ "الإخوان" هم الجماعة الأقوى في استثمار الظاهرة الإسلامية على صعيد العمل السياسي والمدني.

على الطرف المقابل ثمة خريطة متشعبة من الحركات والجماعات الإسلامية، ذات الوجهة الدينية، التي لا تتمثل بمؤسسات سياسية مشروعة، وإن كانت بعضها تقيم مؤسسات ثقافية وخدماتية واقتصادية تعبر عن هويتها، في مقدمة هذه الجماعات التيار السلفي العام، الذي استطاع أن يجد له مساحة كبيرة في الحياة الاجتماعية في السنوات الأخيرة، وأثّر في مواقفه الدينية والفقهية على مجموعات داخل الحركات الإسلامية السياسية كجماعة الإخوان. التيار السلفي يستمد اسمه من دعوته إلى الاقتداء بحياة السلف (الأجيال الإسلامية الأولى) في فهمها للإسلام وأحكامه وأخلاقه، وتقوم الفرضية الرئيسة له على أنّ هنالك كثيرا من البدع والخرافات والضلالات التي أقحمت على الدين وهي ليست منه، وواجب كل حركة إسلامية اليوم تصحيح عقيدة الناس ومصادر تلقيهم للأحكام الشرعية، وتمثل كتابات ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب أهم أدبياته، وإن كانت الاتجاهات السلفية تختلف في قراءة وتفسير هذه الأدبيات. 

    

التيار السلفي بدوره ينقسم إلى مجموعات متناقضة ومتباينة؛ في مقدمتها ما يعرف بالحركة "السلفية الجهادية" التي انتشرت في أوساط اجتماعية في السنوات الأخيرة، وتتماهى مع خطاب القاعدة الديني والسياسي، وتقوم رؤيتها على تكفير النظم العربية والخروج عليها واعتماد العمل المسلح في التغيير. على الطرف الآخر يقع الاتجاه السلفي العلمي- المحافظ، الذي يلتزم رؤية الشيخ ناصر الألباني في عدم الولوج إلى الشؤون السياسية إلاّ في حدود التعاون مع السلطات السياسية القائمة، على قاعدة "طاعة ولي الأمر"، وتتسم علاقه هذا التيار بالجماعات الأخرى بالتناحر والتنافس، وقد دخل في صدام فكري عنيف مع "الإخوان"، وقامت صراعات على السيطرة على المساجد، إلاّ أن وجهة صراعه الرئيسة انتقلت في السنوات الأخيرة إلى "الحركة الجهادية"، ويتبع لهذا الاتجاه مركز الألباني للدراسات، وله مجلة "الأصالة". أما الاتجاه السلفي الأخير فهو الوسطي- الإصلاحي، وما زال محدوداً، وهو قريب من جماعة الإخوان، ويتمثل اليوم من خلال "جمعية الكتاب والسنة" التي عانت في البداية أزمة في هويتها الفكرية، إلاّ أنها تتجه إلى الفكرة الإصلاحية والتناغم مع "السلفية الإصلاحية" في السعودية، وتصدر الجمعية مجلة "القبلة"، كما يعبر بعض أساتذة كليات الشريعة الذين درسوا في السعودية عن مواقف وأفكار هذا الاتجاه.

كما تنشط جماعات متعددة، بلا أي وجهة سياسية واضحة، في مقدمتها جماعة "الأحباش" التي تتبع لها عدة مؤسسات تربوية وثقافية في مقدمتها الجمعية العربية الإسلامية، وتقيم احتفالات ومهرجانات في المناسبات الدينية، وتتبنى جماعة الأحباش المذهب الأشعري- الشافعي، وتتخذ موقفاً حاداً من جماعة الإخوان، ومن رموز في الفكر الإسلامي كابن تيمية وحسن البنا والمودودي وسيد قطب إلى درجة تكفيرهم.

  

تتناثر في الساحة الاجتماعية مجموعات أخرى كالطباعيات وهي مجموعة من النساء والفتيات الصوفيات، ينتمي أغلبهن للطبقة الغنية، ويجتمعن في حلقات ودروس دينية، وهنالك مجموعات وزوايا صوفية، وإن كان حضورها قد قلّ وضعف في الآونة الأخيرة، وكانت دائرة الافتاء في القوات المسلحة إلى فترة قريبة تمثل معقل الصوفية- الشافعية وتدافع عن مواقفها الدينية والفقهية.

بتلخيص شديد للخريطة الإسلامية في الأردن يمكن وصف الحالة الراهنة بـ"الفوضى الحقيقية" الهدّامة، حيث تغيب النخبة الإسلامية المثقفة التي تحظى بقبول المجتمع لطرحها الديني والفقهي، وتسود بدلاً من ذلك مرجعيات وفتاوى فقهية مختلفة ومتباعدة، وتتسع الفجوة في الخطابات الإسلامية المقدمة اليوم؛ بين خطابات تريد العودة بنا إلى النظرية الثيوقراطية التي سادت لدى نخب معزولة ترى في "السلطان السياسي ظل الله في الأرض"، لا يجوز معارضته ولا الخروج عليه وبين خطابات أخرى ترى في المجتمع والدولة والمؤسسات المدنية الحديثة كفراً وخروجاً من الملة والإسلام.

  

في ظل هذه الخطابات والفتاوى والرؤى التي تشتبك فيما بينها للقبض على روح المجتمع والشارع يغيب صوت الإسلام العقلاني التنويري الذي يربط احكام الشرع بقضايا التنمية والتطوير الاقتصادي والمواطنة والمسؤولية المدنية والأخلاقية والخروج من نفق التضارب مع روح العصر والحياة الجديدة، بمعنى: أنه على الرغم من ضوضاء الخطاب الديني في كل مكان إلاّ أنّ فقه المقاصد وروح الشريعة أو الخطاب الإسلامي القادر بالفعل أن يؤدي دوراً رائداً، ووظيفة اجتماعية وسياسية تنقلنا من مرحلة الأزمة إلى المشروع النهضوي.. إنّ هذا الصوت غائب أو مغيّب.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الصراع على الإسلام (فياض)

    الثلاثاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    صحيح أن العالم العربي والإسلامي يشهد صعوداً للظاهرة الإسلامية، لكن الصراع على الإسلام في الأردن أو غيره متشابه ليس بالصورة التي عرضتها، بل إن هذه الصورة ربما لا تكون شكلاً من أشكال الصراع، وبخاصة إذا عدنا بالمصطلح إلى صاحبه: رضوان السيد في كتابه المعروف لديكم. فالصراع وربما التنافس الأشد هو بين الإسلام الشعبي بكل تنظيماته وتياراته ومدارسه من جهة، (وهو متجذر وجذاب ويكتسب ثقة لدى قطاعات واسعة من جماهير الناس العاديين والمثقفين) والإسلام الرسمي من جهة أخرى وهو الإسلام الذي تحرص الحكومات على فرضه بالأنظمة والقوانين وتحاول به مصادرة حق الناس في الاختيار والاقتناع بما لا تروج له الحكومات.
    وثمة صورة أخرى للصراع الكامن ضمن ما وصفته (بالتيار الأقوى في استثمار الظاهرة الإسلامية) الذي تمثلة حركة الأخوان وهو صراع حقيقي بين روح التجديد وروح المحافظة، وإذا كان الإعلام يصف ذلك أحياناً من خلال الكلام عن الحمائم والصقور، بدلالة الموقف من بعض القضايا الساخنة، فإن الاختلاف يتأسس عن قواعد أعمق وأرسى ويحيل فيه الطرفان إلى مرجعية تراثية من مواقف السلف الصالح وحتى الصحابة أنفسهم.
    هاتان الصورتان من الصراع
  • »تعليق على التعليقات (محمد أبو رمان)

    الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    أشكر للأخوين ناصر وصايل تعليقيهما المفيدين، وأعتذر عن عدم ذكر الدعوة والتبليغ، فهي يالفعل سبق قلم، وإلا فالجماعة معروفة ولها نشاطات واتباع وتميل إلى الزهد والأخلاقيات، كما هو معروف لديكما.
    الموضوع الأهم، في التعقيب حول الحركات والجماعات هو أنني أردت فقط سرد الخارطة والتقسيمات الأولية المعتمدة بمعايير واضحة، ولم أشأ التقييم أو التحليل، وإن كان هذا الهدف في مراحل قادمة وتحقيقات وليس فقط مقالات.
    مع الشكر دوما
    محمد أبو رمان
  • »ملاحظات (ناصر)

    الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    عنوان المقال لا يدل على فحواه ، بل هو - العنوان - من باب استفزاز القارئ على قراءة المقال ، والأستاذ أبو رمان لا أظنه من نوعية الباحثين عن لافتات تجذب القارئ لهم ولمقالاتهم ، هذا أولاً .
    وثانياً : هذا الاختلاف يعني بالضرورة صراع على الإسلام أو في الإسلام بل يجب أن يكون اختلاف تنوع في دائرة الإسلام الواسعة طبعاً هذا يحتاج إلى إرادات مخلصة وواعية تترجمه لظاهرة صحية .
    ثالثاً : حشر حزب الوسط بين الإخوان والتحرير غير موفق فهو حزب من فلول الإسلاميين ولد ميتاً، وإكرام الميت دفنه.
    رابعاً : لا يخفى على الأستاذ أبو رمان أن الأحباش لا يصنفون ضمن الجماعات العاملة للإسلام بل هو أداة هدم ومعول تخريب لكل ما هو إسلامي ، وخير دليل أفعالهم في لبنان خلال الحرب الأهلية .
    رابعاً : أظن أن التيار السلفي يحتاج إلى تفصيل أوسع وأعمق من ذلك خصوصاً أن السلفية العلمية لا تنحصر بما يطلقون على أنفسهم السلفيين لأن الكثير من المسلمين سلفيو العقيدة وهناك الكثير من أهل العلم في الجماعات الإسلامية سلفيون مثلاً : جماعة الإخوان منهم : الشيخ الأشقر ، الشيخ همام ....
    وفي النهاية لولا العنوان لقلت أن المقال ممتاز .
    وشكرا
  • »تحليل جيد وموضوعي (م: صايل العبادي)

    الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    الاخ محمد ابو رمان
    تحية وبعد:
    فان تحليلك لخارطة العمل الاسلامي في الاردن ينم عن اطلاع جيد على هذه الخريطة، لكني اعتقد انك لم تتطرق الى الاوزان الحقيقية لهذه القوى في الشارع ، ذلك ان مجرد سردها فقط ـ وان كنت نسيت جماعة الدعوة والتبليغ ـ وهي جماعة مهمة وناشطة ولها اثر ورؤية مستقله كما هي بقية من ذكرت من الجماعات ، مجرد سرد اسماء هذه الجماعات لا يعطي القارىء صورة حقيقية وصحيحة عن الوضع العام للعمل الاسلامي في الاردن.

    وسلامي وتحياتي لك