سجال الحقبة الاستعمارية

تم نشره في الثلاثاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

مجدداً، وبسبب زيارة نيكولا ساركوزي الى الجزائر، طالب رئيس الوزراء الجزائريّ

عبدالعزيز بلخادم فرنسا بالاعتراف بـ "جرائمها" خلال الحقبة الاستعماريّة المديدة (1830 – 1962). وكان الرئيس الجزائريّ عبدالعزيز بوتفليقة قد سبق رئيس حكومته الى الموضوع نفسه، إذ تناوله واستعاده مراراً. كذلك تطرّق اليه، من ناحية مختلفة، كتّاب وسياسيّون فرنسيّون إذ ثمّنوا الحقبة الاستعماريّة نفسها بما هو حسن وسيئ فيها من غير تمييز.

والحال ان عودة هذه المسألة الى الواجهة، السياسيّة والثقافيّة على السواء، ترتبط بعوامل فرنسيّة وجزائريّة في الآن عينه.

فساركوزي، كما هو معروف، الأوفر حظّاً لأن يصبح مرشّح اليمين في المعركة الرئاسية الوشيكة في فرنسا، حيث سينافس المرشّحة الاشتراكيّة سيغولين رويال، ما يعني ان مخاطبته هي مخاطبة لرئيس جمهوريّة محتمل. وهو، الى ذلك، أكثر وجوه اليمين الرسميّ الفرنسيّ (دع لوبن وجبهته الوطنية جانباً) تشدّداً في مواضيع الهجرة والأمن ممّا يتّصل وثيق الاتّصال بالكتلة الضخمة للمهاجرين الجزائريّين. إلى ذلك فالعلاقة بسكّان الضواحي المسلمين ليست إطلاقاً على ما يرام، حاملةً الكثيرين من المراقبين والمحلّلين على توقّع انفجار مدوّ يشبه ذاك الذي عرفته المدن الفرنسيّة وضواحيها قبل عام ونيّف. ثم إن مسألة كهذه سترتدّ ارتداداً حادّاً ومباشراً على الجزائر حيث لا توجد عائلة إلا وتربطها صلة ما بمهاجر أو أكثر. وهذا، بدوره، يجري في موازاة الصراع مع القوى الإسلامية، المؤكّدة على "الهويّة" الخاصّة بها وعلى الصراع مع الغرب "الصليبيّ"، بوصفهما أبرز مجاري النزاع والسياسة الجزائريّين.

أهمّ من ذلك كلّه ان مناقشة الحقبة الاستعماريّة ليست مسألة من الماضي الميّت، لا في الجزائر ولا في فرنسا.

فجزائريّاً، لا تزال الثورة الوطنيّة التي انطلقت في 1954 وأفضت الى الاستقلال بعد ثماني سنوات، مصدر الشرعية السياسيّة الأوّل. وقد ترتّب على الصعود العنفيّ والعنيف للقوى الإسلاميّة، منذ أواخر الثمانينيات، تجديد هذا المصدر من موقعين: فمن الموقع الرسميّ والعسكريّ تمّ التشديد على ان الوضع الراهن هو ثمرة تلك الثورة وإنجازها الأكبر، وذلك في معرض الردّ على التشكيك الذي يرفعه الإسلاميّون في وجه السلطة وشرعيّتها. أمّا من موقع الأخيرين فصير الى التوكيد على انهم هم الورثة الحقيقيّون للثورة ولأيديولوجيا الشهادة مما "سرقه" رموز النظام القائم وادّعوه "زوراً وبهتاناً".

وفرنسيّاً، مثّلت الجزائر أحد قطبي العقدة الوطنيّة حيث تشكّل الولايات المتّحدة الأميركيّة القطب الآخر. ذاك ان فرنسا، بحسب بعض محلّليها ودارسيها، تعيش في مراوحة مزمنة وقاهرة بين أزمتي الدونيّة حيال الأميركيين والتعالي حيال الجزائريّين. ومن ناحيته فإن الفرنسيّ الناجي من هذا التعالي، أو الساعي الى النجاة منه، يجعل إعادة النظر بالماضي الاستعماريّ طريقه الى النجاة والتصالح مع الحاضر.

وعلى هذه الخلفيّة المحتدمة، المتعدّدة المصادر، تنبعث بين الفينة والأخرى مساءلة ذاك الماضي، سيّما وأن ما بات يُعرف بزمن "صراع الحضارات" يحيط توتّر المساجلة بإطار أكثر توتّراً، فيتبدّى كأنّ الغاية من السجال الحؤول دون بلوغ نتيجة عمليّة يمكن للطرفين أن يتوصّلا إليها ويأخذا، تالياً، بالنتائج المترتّبة عليها.

والحال ان الشرط الأبرز لقلب المعادلة وإحالة النقاش نقاشاً إيجابيّاً ومثمراً خروج الطرفين المعنيّين، أي الفرنسيّين والجزائريّين، ومن ثمّ خروج محيطيهما الثقافيّين الأعرض، من حالة الإنكار المتمادي:

- ففرنسا، الرسميّة والثقافيّة، على السواء لا تستطيع، أخلاقيّاً على الأقلّ، أن تتهرّب من مواجهة الحقائق المُرّة. وهي، بالمعنى هذا، مدعوّة الى أن تقول بالفم الملآن انها قتلت الجزائريّين وأذلّتهم واعتدت عليهم وعلى أرضهم كما حاولت حملهم بالقوّة على تغيير مواصفات أصليّة فيهم، فضلاً عن تشجيعها الاستعمار الاستيطانيّ الذي يستولي على الأرض ويُخضع السكّان في أحد أبشع صور الاستعمارات.

أما تجهيل كلّ هذا الماضي باسم التعاون في الحاضر، أو السعي الى توسيع التعاون في المستقبل، فلا يفعل غير تعقيد المشكلة ومفاقمة الارتياب الجزائريّ بالنوايا الفرنسيّة.

- وبدورها، لا تستطيع الجزائر، الرسميّة والثقافيّة، أن تتجنّب الإقرار بأن فرنسا هي التي نقل اليها بعض أوجه الحداثة من تعليم وتطبيب وصحافة وأشكال تنظيم حزبيّ ومؤسساتيّ ونقابيّ وغيرها. كذلك سوف يبقى التعاون الثنائيّ في الحاضر والمستقبل مُعاقاً ما لم يظهر استعداد فعليّ، لدى الجزائريّين، الى اعتبار الاستعمار مسألة من الماضي تمّت وانتهت. وغنيّ عن القول ان عنجهية الأصالة والكرامة لن تفيد، هنا، في شيء ولن تتغلّب على إشكال.

واقع الأمر ان الكلام الصدامي سهل دائماً، يكفي لإطلاقه أن يتمسّك كلّ ظرف بروايته الأصليّة المستندة الى قدر من نرجسيّة الذات الطاهرة التي لم يُصبها الخطأ مرّة. أما اللغة الحواريّة فهي دائماً الصعبة لأنها تجمع بين حقيقتين نسبيّتين في موقف واحد، مثلما تجمع بين نقدين للذات، وبين تنازلين لا بدّ منهما من أجل الوصول الى مستقبل أفضل للجميع. وهو افتراض يستند، تعريفاً، الى أن الاستعمار ظاهرة مزدوجة، فيها السلبيّ الذي يتجسّد بالقهر والإذلال والنهب الاقتصاديّ، وفيها الإيجابيّ الذي يمثّله التعرّض للحداثة والارتباط الأوسع بالعالم، من خلال التعليم والمواصلات وغيرهما. أمّا الاكتفاء بحقيقة واحدة من هاتين الحقيقتين، وإسباغ مواصفات الإطلاقيّة عليها، فيبقى رؤية قاصرة مشوّهة.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق