د.باسم الطويسي

خيانة نبيلة

تم نشره في الأحد 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

المجتمعات العربية لا تعيش اليوم مشهد الفراغ السياسي والاستراتيجي وغياب المناعة وتراجع القدرة على الاشتباك مع العالم بحثاً عن مصالحها بما يعنيه الاشتباك من إشارات دالة على انها لاتزال على قيد الحياة، بل تحيا مشاهد متقطعة معظمها ينتهي بالاندحار، ما يقود الأفراد إلى فجوة نفسية عميقة وغربة مريرة يزداد فيها الشعور بأن هذه الأوطان ليست لهم.

الاغتراب السياسي والثقافي هو نسيج معقد من علاقات محبطة ومذلة تحبك تحت وطأة الشعور بالدونية والامتهان، وله بيئات جاذبة ينتشر ويزدهر بها كالنبت الشيطاني، حينها يشعر المجتمع والافرد أن الأوطان والمؤسسات التي ضحوا في سبيلها وبنيت بعرق الأجيال وآلامها ومراراتها أصبحت تسيطر على مصيرهم، بدل من ان تزيد من القدرة على الحياة، أصبحت تستغلهم لمصالحها وتمارس معهم لعبة من الإذلال المتبادل؛ رغم ان العرب اليوم أكثر البشر قدرة على إثارة مشاعر العنف، كما وصفهم مكسيم ردنسون قبل ثلاثة عقود، إلا ان حجم ما قيل لا يتجاوز عناوين في رحلة القطيعة التي تتطلب ان نجتازها.

الاغتراب السياسي والثقافي ينتشر ويزدهر حينما يشعر الفرد والمجتمع ان الموارد التي أوجدتها الطبيعة وربما الأجيال السابقة وحافظت عليها تهدر وتستنزف وتتحول الى نقمة ويلتهمها الفساد، هنا يشعر الفرد بأنه لا يُحرم فقط من حقه في هذه الموارد، بل ويمارس الخيانة بحق الأجيال القادمة، وخيانة مخجلة بحق الطبيعة والماضي.

الاغتراب السياسي والثقافي له لغات ولهجات محلية متعددة، إلا انه يلتقي على لغة الإخضاع بدل الاقناع، وتزييف الكلام عن الحريات والحقوق، وفي الواقع ينتج المجتمع سلطاته ورموزه التي تحول الأفراد الى أشياء بخيسة وفي لحظة التأزم يرتدي المجتمع بأكمله أقنعة زائفة بحثاً عن هوية بديلة ومآل آخر.

يبدأ الاغتراب السياسي وينتعش، حينما يتسلسل الشعور في البداية بطيئاً بافتقاد الفرد حقه في الوطن، ثم يزدهر حينما يتصرف المسؤولون ورموز السلطات وكأن البلاد والأوطان امتداد لذواتهم، ثم يقود هذا الاغتراب الى الانسحاب التدريجي الذي يأخذ عدة أشكال أهمها اللامبالاة إلى رفض المشاركة والانكفاء على الذات، ثم الهرب، ليس مشياً بل هرولة، وأخيراً انتحار الوطن داخل الذات.

يتجذر الاغتراب السياسي والثقافي حينما نبقى نجرب ونبدل ونعدل في المناهج والأدوات ونطرق سبل المحاكاة البلهاء كافة ونوافذنا مغلقة على العالم، ويتحول التجريب والتبديل الى نوع من الشقاء الإنساني، ونجرب في التنمية والتغيير والتحديث والحداثة والإصلاح والإحياء وندور في كل "المدارات الحزينة" في التاريخ ونكتشف أننا لم نبدأ بعد.

حينما يتحول الفرد الى ذات بلا مواطنة، وربما إلى شيء نكرة، يجد هذا الفرد نفسه منقاداً ومرغماً بأن يلجأ الى البنى الاجتماعية الأولية؛ العائلية، القبلية، الطائفة، الجهة.. بحثاً عن بعض الأمان ومحاولة لملمة حطام الذات حيث تتحول القيم الكبرى في مراحل التحولات الهشة والخادعة الى احجيات للعبور وتتحول قيم الحرية والمساواة والحقوق الى أقفال تحرس المدن، وتتحول قيم الكفاءة والجدارة الى جسور من خشب وفلين لا يستطيع الركوب فوقها إلا أصحاب الأوزان الخفيفة، عفوا الثقيلة جدا.

ان أسرار حالة الاغتراب والرغبة المكبوتة بالانسحاب، التي تجتاح المجتمعات العربية، تتغذى من حالة الاختراق الأجنبي والخضوع المباشر للهيمنة السائدة في العلاقات الدولية وحالة الانكشاف التي تكرست بشكل كبير، إلا ان مصادرها الحقيقية تكمن في علاقات الداخل بالداخل قبل علاقات الداخل بالخارج. فالعنف الذي يصدر اليوم للخارج هو أحد أشكال التفريغ للعنف الذي يمارس منذ أجيال في الداخل في العلاقات المستبدة الظالمة والمستندة إلى عدم الرغبة في الدخول نحو معترك التغيير الحقيقي وعدم الجرأة على خيانة الأصنام، فهي نتيجة شبه منطقية لما لاقته هذه المجتمعات من إهمال وإحباط وقسوة وفشل، ويبدو ذلك في انعدام القدرة على المشاركة السياسية أي شعور الفرد بعدم القدرة في التأثير على سلوك مؤسسات النظام أي انعدام المعنى السياسي.

ان تجاوز حالة الاغتراب السياسي والثقافي يعني وضع حد لحالة العجز وبناء القدرة على تجاوز الأوضاع الراهنة، لكن القدرة وحدها في الحالة السائدة لا تكفي إذا لم تقترن بالرغبة في التغيير وإحداث قطيعة مع الواقع الراهن، ولعل عملية ردم الفجوة النفسية التي يحياها الإنسان العربي في هذه المرحلة أول ما تتطلب ان يعي حجم الحالة وأسبابها ومصادرها، وان يحقق إنجازات على الأرض تعوضه عن عقدة الذنب الذي لم يقترفه.

أقسى حالات الاغتراب واليأس الجماعي تواجه المجتمعات في مرحلة تسمى مرحلة "ثقافة العبور" وهي المرحلة الفاصلة بين حد استعادة الحياة أي النهوض، أو تأكيد الموت الحضاري، واهم أسلحة هذه المرحلة النقد الذاتي؛ الخيانة النبيلة للأصنام والتعاويذ.

Basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حالة اليأس والاحباط (محمود البواب)

    الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    ان حالة اليأس والاحباط التي تمر بها الشعوب العربية خصوصا مردها الاوضاع السياسية في المنطقة العربية علاوة على ما تعكسه هذه الاوضاع من اثار سلبية على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للشعوب العربية وعليه فان حالة الوعي تتجلى في حالة متابعة المواطن للاحداث وقدرته على التاثير فيها.
  • »حالة الاغتراب والخيانة النبيلة !! (موسى النوافله)

    الاثنين 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    أن ما جاء في مقالة الأستاذ باسم الطويسي يضع اليد على الجرح، ويشخص حالة الوضع الذي يعيشة معظم المواطنين العرب كل العرب، من المحيط الى الخليج الا من رحم ربك، فحالة اليأس والشعور بالاحباط والدونية والشعور بالغربة حتى في الوطن موجودة، ونسأل الله أن تستعيد هذه الأمة نهضتها وأن تفيق من كبوتها.
  • »اغتراب (رؤيا)

    الأحد 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    الشعوب العربية جميعها تعيش حالة اغتراب سياسي واجتماعي وثقافي داخل الاوطان العربية وخارجها مما افقدهم القدرة على الانبعاث والتجديد وارادة الحياة. مهاجرة عربية المانيا
  • »الفرد (جبريل الهلالات)

    الأحد 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    نعم, لا بد من اجتياز ثقافة العبور التي نعيش ليس الى مرحلة الموت الحضاري ولكن الى النهوض واللحاق بالحضارة بل وقيادتها ولا سبيل لذلك الا النقد الذاتي والاصلاح الفردي... هي منظومة متكاملة يختصرها: افراد صالحون تعني مجتمع صالح, افراد واعون تعني مجتمع واع ... وهكذا. اذا, حالة الاغتراب التي يعيشها المجتمع اساسها فردي, واذا تجرا الفرد ففكر و نقد و غير نفسه وخرج من حالة الاغتراب التي يعيش فقد بدات رحلة المجتمع للخروج من اغترابه.