لماذا الدجيل وليس الجرائم الأخرى؟

تم نشره في الأربعاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

أثار اختيار السلطات العراقية إصدار حكم بالإعدام في حق الرئيس العراقي المخلوع صدّام حسين بعد إدانته في قضيّة الدجيل تساؤلات كثيرة. وتعود التساؤلات إلى أن صدّام يعتبر مسؤولاً عن جرائم كثيرة أفظع بكثير مما حصل في الدجيل، حيث يُعتقد أن مائة وثمانية وأربعين مواطناً أعدموا في مرحلة تلت تعرّضه لمحاولة اغتيال في أثناء زيارته للقرية الشيعية في تمّوز من العام 1982.

لماذا إذن الدجيل وليس الأنفال، أو "المقابر الجماعية"، أو إعدام الرفاق البعثيين بالعشرات في العام 1979، أو قتل الآلاف لدى قمع الانتفاضة التي تعرّض لها النظام في العام 1991 إثر تحرير الكويت من الاحتلال العراقي؟ وماذا أيضاً عن اتخاذ قرار بشنّ حرب على إيران؟ وفي حال يمكن اعتبار القرار بشنّ الحرب على إيران موضع أخذ وردّ، خصوصاً أن النظام الإيراني الجديد لم يخف وقتذاك نية تصدير الثورة إلى بلدان الجوار، فماذا عن احتلال الكويت ومحاولة إزالة دولة عربية مسالمة عن الخريطة، هل من جريمة أكبر من هذه الجريمة يرتكبها رئيس دولة؟

ربّما كان التفسير المنطقي لإصرار السلطات العراقية على الحكم بإعدام صدّام في قضيّة الدجيل هو الحقد الذي يكنّه قادة حزب الدعوة الإسلامية الشيعي للرئيس العراقي المخلوع وأخيه برزان التكريتي الذي كان مديراً للمخابرات لدى وقوع محاولة الاغتيال في الدجيل. وفي حال محاكمة صدّام في أي قضيّة أخرى، لم يكن في الإمكان إصدار حكم آخر بالإعدام في حق برزان. برزان، الذي يعتبره حزب الدعوة، الذي بين أبرز قادته رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، مسؤولاً عن حملة شرسة طالت أفراده مطلع الثمانينيات من القرن الماضي.

ويعتبر حزب الدعوة أن صدّام لم يكتف بإعدام مؤسس الحزب الشهيد محمد باقر الصدر وشقيقته، بل ذهب إلى حدّ اعتبار الانتماء للحزب جريمة تستحق الإعدام. وكان صدّام مقتنعاً في تلك المرحلة بأن حزب الدعوة "يعمل بأوامر إيرانية، وأنه جزء من الحرب التي تشنها إيران على العراق". كذلك كان مقتنعاً بأن محاولة الاغتيال التي تعرّض لها في الدجيل عملية إيرانية تولّى حزب الدعوة تنفيذها.

ويتهم حزب الدعوة برزان بأنه تولّى تنفيذ القرار القاضي بإعدام كلّ منتم لحزب الدعوة، وذلك بصفة كونه مديراً للمخابرات. وهذا يعني في طبيعة الحال أنّ الإصرار على محاكمة صدّام في قضية الدجيل أوّلاً يستهدف إعدامه في مرحلة لاحقة مع أخيه الذي تستحيل ملاحقته بسبب أي جريمة أخرى نظراً إلى استقالته من موقعه أواخر العام 1983، بعد دخوله في خلافات مع أخيه، في أساسها زواج الابنة الكبرى للديكتاتور العراقي من حسين كامل حسن المجيد ابن عم صدّام. وصار حسين كامل لاحقاً الرجل القوي في البلد، وعدوّاً لدوداً لبرزان ولشقيقيه سبعاوي ووطبان.

ويعتبر برزان أن زوجة صدام، ساجدة خيرالله طلفاح، لعبت دوراً أساسياً في إقناعه بتزويج رغد من حسين كامل الذي كان يعمل مرافقاً لها. وقبل ذلك، كان حسين كامل ذو الثقافة المتواضعة عنصراً في جهاز المخابرات، وكان يشارك في حماية كبار الزوّار بصفة كونه رجل أمن قادرا على قيادة الدراجات النارية.

إضافة إلى حقد قادة حزب الدعوة على صدّام وبرزان، ساهم عاملان آخران في صدور الحكم بالإعدام عليهما في قضية الدجيل. العامل الأوّل هو الحاجة الأميركية إلى انتصار، أي انتصار، حتى لو كان وهمياً عشيّة الانتخابات التشريعية في الولايات المتحدة، والتي يركّز فيها الحزب الديمقراطي على الفشل الذي انتهت إليه المغامرة العراقية للرئيس بوش الابن. أما السبب الآخر للتعجيل في إصدار حكم الإعدام في حق الأخوين، فعائد إلى رغبة النظام الإيراني في أن يكون إعدام صدّام درساً لكلّ من يتجرّأ على الوقوف في وجهه في العراق.

يشكّل حقد حزب الدعوة، والحاجة الأميركية إلى انتصار، أي انتصار، والإصرار الإيراني على إعطاء درس للعراقيين، ثلاثة عوامل أدت إلى صدور حكم الإعدام في حق صدّام وبرزان في هذا الوقت بالذات، وفي هذه القضيّة بالتحديد.

والأكيد أن برزان لم يفاجأ بما حلّ به. ففي لقاء أخير معه في أيلول من العام 2002 في جنيف، سُئل لماذا هو عائد إلى العراق؟ أجاب أن ليس لديه مكان آخر يذهب إليه بعدما اشترطت عليه السلطات السويسرية طلب اللجوء السياسي في حال كان ينوي تمديد إقامته في هذه المدينة، حيث كانت عائلته. وشرح أنّه لا يستطيع طلب اللجوء السياسي، كونه لا يريد الانضمام إلى الذين يعارضون أخاه بشكل علني في هذه المرحلة بالذات. ولدى سؤاله عن قوة النظام، أجاب بالحرف الواحد: "سيسقط النظام. إنّه مثل بيت من ورق. لن يقف أحدٌ مع صدام عندما سيدخل الأميركيون الأراضي العراقيّة". وسُئل هل يخشى الملاحقة والمثول أمام محكمة بعد سقوط النظام؟ أجاب: "لم تعد لي علاقة بالنظام منذ العام 1983 خلافاً لما قيل ويقال عن أني أدير ثروة صدّام من جنيف. هذا غير صحيح إطلاقاً". وماذا عن حزب الدعوة، وماذا عن الدجيل؟ فكّر برزان طويلاً ثم قال: "لا أدري، شاركت في ملاحقة أعضاء الحزب بناء على أوامر الجهات العليا. كنت أنفّذ الأوامر وكنّا في حال حرب مع إيران. قد ألاحق، قد أحاكم... الحقيقة لست أدري. إني عائد إلى العراق".

الأكيد أن برزان، ومعه عوّاد البندر الذي صدر في حقه حكم بالإعدام أيضاً بصفة كونه رئيساً للمحكمة التي نظرت في قضية الدجيل، من ضحايا صدّام. إنّهما من ضحايا رجل يدفع حالياً ثمن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه في ذلك اليوم من صيف العام1990 عندما اعتدى على الكويت. قبل ذلك كان العالم كلّه يغطّي جرائم الرئيس العراق المخلوع، بما في ذلك جريمة الدجيل. من قال أن لافتقار صدّام لأدنى درجات الذكاء حدوداً؟! والجمع بين هذا الافتقار والإجرام لا يشكل خطراً على الشخص الذي يحمل هاتين الصفتين فحسب، بل يشكل خطراً على الذين تعاطوا مع هذا النوع من الأشخاص أيضاً! إنّه مزيج مخيف لا يقود من يمتلك الصفتين معاً سوى إلى تلك الحفرة التي عثر فيها على صدّام.

انتهى صدّام يوم إخراجه من الحفرة، بعدما تبيّن أنه لا يمتلك حتى شجاعة المقاومة كما فعل نجلاه عديّ وقصيّ اللذان فضّلا الموت على الذلّ.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق