كوريا الشمالية تصنع التاريخ

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

عادة يكون التعرف على المنعطفات التاريخية أكثر يسراً حين نستعيد أحداث الماضي. ولكن لن يتطلب الأمر أن تمضي أعوام قبل أن نستطيع أن نحدد ما إذا كان اختبار كوريا الشمالية للتفجير النووي يرقى إلى اعتباره واحداً من تلك المنعطفات التاريخية أم لا. والمسألة هنا تتلخص فيما إذا كان ذلك المنعطف الذي سلكه التاريخ إلى الأفضل أم إلى الأسوأ.

يزعم بعض المحللين أن قليلاً قد تغير نتيجة لذلك الاختبار. فقد كان العالم يفترض لسنوات أن كوريا الشمالية تمتلك ما يكفي من المواد النووية لتصنيع ست أو ما يزيد من القنابل النووية البسيطة. لقد تحول بهذا الاختبار ما كنا ندركه ضمنياً من قبل إلى حقيقة جلية.

ولكن ما كان مفترضاً ذات يوم أصبح الآن أمراً واقعاً. لقد تغير الكثير. فقد تحدت كوريا الشمالية العالم؛ والمسألة هي كيف سيكون رد العالم على ذلك التحدي.

الحقيقة أن ما نغامر به هنا ليس من الممكن أن يكون أعظم قدراً. فمن المعروف أن تاريخ قادة كوريا الشمالية حافل بالعدوانية، والاحتقار الظاهر لشعبهم، هذا فضلاً عن استعدادهم لبيع كل شيء تقريباً (من المخدرات والدولارات المزيفة إلى أجزاء الصواريخ) بهدف الحصول على العملة الصعبة. والخطر هنا يكمن في احتمال انسياق هؤلاء القادة إلى استخدام السلاح النووي، أو التصرف على نحو غير مسؤول على اعتبار أن مثل ذلك السلاح يشكل درعاً واقياً بالنسبة لهم، أو الإقدام على بيع أحد تلك الأسلحة للإرهابيين.

يتعلق الخطر الثاني بالعواقب الإقليمية المترتبة على الاختبار الذي أجرته كوريا الشمالية. ذلك أن منطقة شمال شرق آسيا تشكل ساحة في غاية الحيوية والنشاط، وتؤوي العديد من القوى العالمية، مثل الصين، وروسيا، واليابان، والكوريتين، بل والولايات المتحدة على أكثر من نحو. وهذه الطبيعة الحيوية قد تؤدي إلى قدر من عدم الاستقرار، نظراً للمصادر المتعددة للارتياب وسوء الظن والافتقار إلى المؤسسات الإقليمية القوية التي تستطيع أن تساعد في معالجة الخصومات.

والأمر يشتمل أيضاً على عواقب عالمية. فقد أصبحت كوريا الشمالية الآن الدولة التاسعة التي تمتلك السلاح النووي، بعد أن لحقت بالدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وإسرائيل، والهند، وباكستان. ومكمن الخطر هنا يتلخص في أننا ربما نقترب سريعاً من النقطة الحرجة. ذلك أن الكيفية التي سيرد بها العالم على كوريا الشمالية من الأرجح أن تؤثر على حسابات قوى أخرى تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، بما في ذلك إيران. ومما لا شك فيه أن حفظ السلام في عالم حيث تستعد عشرات الأصابع للضغط على مفاتيح تفجير الأسلحة النووية سوف يشكل مهمة أكثر صعوبة - ولسوف تكون عواقب الفشل في أداء هذه المهمة أشد تدميراً.

كانت ردود الفعل الأولية إزاء الاختبار النووي الذي أجرته كوريا الشمالية متماثلة في الانتقاد والإدانة، ولقد بلغت ردود الأفعال هذه ذروتها (حتى الآن) في القرار رقم 1718 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يدين الاختبار، ويطالب كوريا الشمالية بالعودة إلى التعاون الكامل مع الهيئة الدولية للطاقة الذرية، ويفرض عليها عدداً من العقوبات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية.

إلا أنه من الواضح أن قادة كوريا الشمالية يراهنون على قدرتهم على الإفلات بفعلتهم، وعلى أن العالم سوف يتعود على برنامجهم النووي، تماماً كما فعل مع إسرائيل، والهند، وباكستان.

ربما كانوا على حق في تصورهم هذا. فكل من كوريا الجنوبية والصين غير متحمسة لتأييد العقوبات المشددة. ونستطيع أن نصف "سياسية ضوء الشمس" التي تنتهجها كوريا الجنوبية بأنها عبارة عن "ارتباط غير مشروط". وليس من العجيب أن هذا التوجه الذي يعتمد على "الجزرة فقط بلا عصا" قد أخفق في تغيير سلوك كوريا الشمالية.

أما الصين فقد أوضحت من جانبها أنها لا تعتزم تفتيش البضائع المنقولة سواء إلى الداخل أو إلى الخارج عبر حدودها الطويلة المشتركة مع كوريا الشمالية بهدف ضمان عدم احتواء هذه البضائع أو الشحنات على بنود محظورة طبقاً للقرار رقم 1718. وعلى الرغم من معارضة الصين لمساعي كوريا الشمالية الرامية إلى تصنيع الأسلحة النووية، إلا أنها أشد معارضة للسياسات التي قد تهدد الاستقرار في الشمال وقد تؤدي إلى عبور حشود هائلة من اللاجئين لحدودها، أو إلى قيام كوريا موحدة تتخذ من سيئول عاصمة لها.

وعلى هذا يظل التحدي متمثلاً في التوصل إلى استجابة من شأنها أن تكتسب دعماً دولياً واسع النطاق، وأن تكون ذات تأثير على سلوك كوريا الشمالية وقدراتها. يكمن أحد الخيارات في تنفيذ ضربة عسكرية "وقائية". إلا أنه يكاد يكون من المؤكد أن يؤدي هذا الخيار إلى اندلاع حرب شاملة باهظة التكاليف، وليس بالضرورة أن تنجح هذه الحرب في تدمير قدرات كوريا الشمالية المخفية. فضلاً عن ذلك فإن كلاً من الصين وكوريا الشمالية تعارض مثل هذا السيناريو بشدة، بينما نجد أن الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها بتنفيذ مثل هذه الضربة، نظراً لتورطها في العراق.

ويتلخص الخيار الثاني في التعايش مع كوريا الشمالية باعتبارها قوة نووية. والحقيقة أن خطر استخدام كوريا الشمالية للأسلحة النووية (على الرغم من أنها قد تفعل ذلك) أقل من الخطر المتمثل في احتمال بيعها لمثل هذه الأسلحة. ولقد كان الإنذار الذي أطلقه الرئيس بوش حين قال:"إن انتقال الأسلحة أو المواد النووية بواسطة كوريا الشمالية إلى دول أو كيانات أخرى سوف يشكل خطراً داهماً وتهديداً خطيراً للولايات المتحدة، ولسوف نعتبر كوريا الشمالية مسؤولة بشكل كامل عن العواقب المترتبة على مثل ذلك التصرف"، كان المقصود منه ردع كوريا الشمالية عن بيع مثل هذه الأسلحة. إلا أن المشكلة هي أن الردع قد يفشل أحياناً بطبيعة الحال.

أما الخيار الثالث فيقوم على الدبلوماسية. وبموجب هذا الخيار فلسوف يكون من المنتظر أن تتخلى كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية وأن تضع موادها النووية تحت الحراسة الدولية في مقابل حصولها على ضمانات أمنية رسمية، وموارد الطاقة، وعدد من الفوائد السياسية والاقتصادية. لابد من تجديد مثل هذه المساعي في أقرب وقت ممكن، ويتعين على الولايات المتحدة أن توافق على المحادثات الثنائية علاوة على المحادثات السداسية مع كوريا الشمالية، ربما في مقابل تعليقها لاختباراتها النووية.

سوف يتطلب الأمر مزيجاً من الخيارات الثلاثة - التهديد بالقوة العسكرية، وفرض العقوبات الاقتصادية، واستئناف العملية الدبلوماسية- في التعامل مع التحدي الذي تفرضه كوريا الشمالية. ولن يكون هذا بالأمر السهل، إلا أنه يستحق المحاولة، وذلك لأن البديل هو كوريا شمالية يائسة، وعدائية، ومسلحة نووياً، ومنعزلة، لابد وأن يكون مزعجاً لكافة الأطراف.

ريتشارد ن. هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب "الفرصة: لحظة تستطيع فيها أميركا أن تغير مسار التاريخ".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق