أين ذهبت تقلبات السوق؟

تم نشره في الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

لاتزال شاشات التلفاز والصحف تزف إلينا بكل حماس أنباء كل تطور وكل منعطف تسلكه أسواق المال العالمية. إلا أن الخبر الأكبر يتلخص في الهدوء الذي أحاط بكل فئات الأصول الرئيسية، من الأسهم إلى السندات. تُـرى هل يتعاطى عالم الاستثمار برمته مضادات الاكتئاب؟

إن نظريات المؤامرة وفيرة، وبصورة خاصة بين دوائر سماسرة المال الذين تُـعَد التقلبات بالنسبة لهم كالرياح بالنسبة للبحار. ويرى هؤلاء السماسرة، على نحو شديد الثقة، أنهم يستطيعون أن يجمعوا المال في كل وقت وأوان، ما دامت السوق متقلبة، وبصرف النظر عن اتجاه ذلك التقلب. والحقيقة أنهم على حق في تصورهم هذا، وذلك بفضل بقية الناس من أمثالنا الذين لا يجدون الوقت الكافي ولا المعلومات ولا المهارات اللازمة لمنافستهم. ولكن مع السكون الذي تشهده الأسواق اليوم تتضاءل فرص الكسب أمامهم.

يتمثل "البعبع" المفضل لدى السماسرة اليوم في مستثمري الحكومات العملاقة، وبصورة خاصة البنوك المركزية الآسيوية، التي بلغت أصولها التريليونات من الدولارات. ويقال إن هذه الأرصدة الضخمة، التي لا يتقاسم مديروها بالضرورة مع مستثمري القطاع الخاص نفس لهفتهم إلى جني الأرباح، تؤدي لا محالة إلى خنق أسعار الفائدة وأسعار الصرف. ومؤخراً أفضى إليّ أحد السماسرة الشباب بشكواه قائلاً: "إن البنوك المركزية الآسيوية الضخمة تضطهدنا".

تُـرى هل يحدث عقداً واحداً من الزمان فارقاً كبيراً. أثناء فترة التسعينيات كان مستثمرو القطاع الخاص ينظرون إلى البنوك المركزية الضخمة المتثاقلة وكأنها أبقار تدر نقداً، لا يعوزها المال، إلا أنها تفتقر إلى الفطنة المالية. ذات مرة، وفي غضون ساعة واحدة، ربح جورج سوروس ألف مليون دولار أميركي من بنك إنجلترا. وكانت إستراتيجيته الأساسية في تحقيق ذلك المكسب إستراتيجية معيارية: والتي تتلخص في الرهان ضد أي بنك مركزي يحاول الدفاع عن سياسة متضاربة للاقتصاد الشامل.

بطبيعة الحال، لم ينتصر السماسرة في كل معركة دخلوها. لقد كانت دماء المضاربين هي التي سالت في الشوارع حين هاجموا ارتباط هونج كونج بالدولار في عام 1998. ولكن في الإجمال نستطيع أن نقول إن الرهان ضد المؤسسات المالية الحكومية الضخمة أثبت أنه عمل تجاري مربح إلى حد كبير.

كان ذلك في التسعينيات. واليوم أصبح العديد من السماسرة يرون في مؤسسات الدولة العملاقة كيانات مالية أصيلة قادرة على ترويض الصيغ المالية المعقدة واستغلال أحجامها المتفوقة والمعلومات الخاصة بالتجارة في استغلال أسواق العملة وأسعار الفائدة إلى أقصى درجة ممكنة، وذلك بعد أن كانوا ينظرون إليها فيما سبق باعتبارها مؤسسات خرقاء. ولقد أصبح للنـزعة المتأصلة في هذه الكيانات العملاقة وميلها إلى المحافظة تأثير مشابه على الأسهم، بعد أن عملت على تهدئة أسواق السندات والعملة. وعلى الرغم من أن قِـلة من الناس يتهمون البنوك المركزية الآسيوية بالتآمر على نحو واضح من أجل تهدئة الأسواق العالمية، إلا أن البعض يقولون إن الحذر الذي تتخذه هذه البنوك في التعامل مع التجارة يمثل شكلاً من أشكال التواطؤ الضمني.

على الرغم من تعاطفنا مع المضاربين الشباب الطامحين إلى الثروة، فهل تصمد حجة القمع التي ساقوها أمام البحث والتدقيق؟ أمِن المحتمل أن تكون الجهات الاستثمارية الحكومية الضخمة في آسيا (ناهيك عن روسيا، وأميركا اللاتينية، والشرق الأوسط) قد نجحت في فرض سيطرتها بهدوء على الأسواق العالمية؟ ربما، ولكن يبدو أن نظرية "البعبع" تشتمل على قدر كبير من المبالغة.

أجل، إن البنوك المركزية الآسيوية الضخمة تمتلك أصولاً تقترب قيمتها من ثلاثة تريليونات من الدولارات؛ حيث يمتلك البنك المركزي الصيني وحده أصولاً تبلغ قيمتها حوالي تريليون دولار. وهذا من شأنه أن يوفر لهذه البنوك قاعدة رأسمالية مماثلة للأصول المجمعة للشركات الاستثمارية العالمية الكبرى كافة.

لكن هذا الأسلوب في القياس شديد التضليل. ذلك أن الشركات الاستثمارية العالمية الكبرى تشكل نسبة ضئيلة من إجمالي الأسواق المالية العالمية، والذي أصبح اليوم يتجاوز مائة وعشرين تريليون دولار أميركي، طبقاً لدراسة حديثة قام بها معهد ماكينزي العالمي. فضلاً عن ذلك فإن الشركات الاستثمارية العالمية الكبرى، على النقيض من البنوك، قادرة على التحكم في رهاناتها، عن طريق الاقتراض بهدف تكديس أصول تماثل في حجمها أضعاف قاعدتها الرأسمالية. ولولا ذلك لما كان بوسع جورج سوروس وزملائه المستثمرين أن يحلموا بمنافسة بنك إنجلترا.

الحقيقة أن تفسير الهدوء الذي يسود السوق الآن ربما يكمن في مكان آخر. ولكن إن لم يكن بوسع نظرية المؤامرة أن تتهم البنوك المركزية الآسيوية بالمسؤولية عن تجفيف منابع التقلب، وبالتالي تقليص مكاسب المضاربين، فمن المتهم إذاً؟

مما لا شك فيه أن ندرة التقلب اليوم هي مسألة دورية إلى حد ما. فقد كانت معدلات تقلب أسواق البورصة متدنية للغاية في أوائل عقد التسعينيات، وذلك قبل أن تبلغ ارتفاعات لم يسبق لها مثيل في وقت لاحق من نفس العقد. فضلاً عن ذلك فإن الإبداع المالي والعولمة من الأسباب التي تسمح للأسواق بنشر المجازفة على نحو أكثر كفاءة من أي وقت مضى، ووضعها بين أيدي القادرين على إدارتها على النحو الأمثل. ومن بين العوامل المهمة الأخرى تحسن السياسات التي تنتهجها البنوك المركزية. ففي أوائل التسعينيات تجاوز متوسط مستوى التضخم على مستوى العالم 30%، أما الآن فقد هبط إلى أقل من 4%.

ولقد أسهمت كل هذه التغيرات بدورها في تخفيض الناتج على المستوى الاقتصادي وتقلب الاستهلاك، سواء في الدول الغنية أو الدول النامية. كما أسهمت أيضاً وبصورة قوية في ارتفاع المستوى العام لأسعار الأصول، وساعدت بذلك في خلق الثروات الفردية الضخمة التي تثير غيرة السماسرة الشباب اليوم.

هل تستمر موجة الهدوء النسبي التي تسود الأسواق اليوم إذاً؟ من المؤسف أنها لن تستمر. فمن المؤكد أن عالم العولمة المالية الشجاع الجديد سوف يواجه اليوم اختبارات ضغط جديدة شديدة إلى الحد الذي من شأنه أن يذكرنا أن إمكانية مرور العالم بفترات الركود لاتزال قائمة.

بصراحة، وعلى الرغم من أنني لا أرى أن موجة التوسع العالمي التي بلغت من العمر خمسة أعوام اليوم قد اقتربت من نهايتها بعد، إلا أنني لا أملك إلا أن أؤكد أن معدلات المجازفة في صعود، وذلك مع تباطؤ الناتج بصورة حادة في الولايات المتحدة خلال الربع الثالث من هذا العام، ومع القيود المفروضة على البنوك المركزية بسبب المخاوف من التضخم. كما أنه ليس من العسير أن تتسبب موجة من عدم الاستقرار على الصعيد الجغرافي السياسي ـ والتي قد تنطلق من إيران، أو العراق، أو كوريا الشمالية ـ في الإطاحة باستقرار الأسواق العالمية.

أياً كان السيناريو الذي ستنتهي إليه هذه الموجة من الهدوء، فإن عصر اليوم الذي يتسم بندرة التقلب سوف يبدو وكأنه حلم من الماضي البعيد بالنسبة لأكثر الناس ـ وكابوس منسي بالنسبة لسماسرة المال الطموحين.

كينيث روجوف أستاذ علوم الاقتصاد والسياسة العامة بجامعة هارفارد، وكان فيما سبق يشغل منصب كبير خبراء الاقتصاد بصندوق النقد الدولي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق