تركيا وأوروبا: قطاران على مسار تصادم؟

تم نشره في الأربعاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

إن التدخل الأوروبي في لبنان يُـعَـد قراراً بعيد الأثر ومشحوناً بالمخاطر والمجازفات، إلا أنه في ذات الوقت القرار الصائب. ويرجع السبب وراء هذا إلى أن مستقبل الأمن الأوروبي سوف يتقرر إلى حد كبير في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط. والحقيقة أن أوروبا تضطلع، سواء برغبة منها أو رغماً عنها، بدور إستراتيجي كبير في المنطقة. وإذا ما أخفقت في القيام بهذا الدور على الوجه الصحيح فإن الثمن سوف يكون باهظاً.

في ضوء المجازفات الخطيرة التي فرضتها أوروبا على نفسها، ومع إدراكها الكامل للعواقب المترتبة على هذا، فقد بات لزاماً عليها أن تحرص على وضع "إستراتيجية كبرى" في التعامل مع منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط، حتى تتمكن بهدوء ووضوح من تحديد مصالحها. ولابد وأن يكون لتركيا دور مركزي في أي من الأشكال المتنوعة الجدية لهذه الإستراتيجية الكبرى، على الأصعدة السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والثقافية.

إن حماية مصالح أوروبا اليوم تستلزم تأسيس رابطة قوية -لا تنفصم- مع تركيا باعتبارها حجر الزاوية للأمن الإقليمي. وعلى هذا فمن المدهش أن نرى أوروبا تفعل العكس تماماً: فتغمض عينيها بشدة في مواجهة التحدي الإستراتيجي الذي تفرضه تركيا.

إن نجاح تركيا في التحديث والتحول إلى الديمقراطية - فضلاً عن مجتمعها المدني القوي، واحترامها لحكم القانون، واقتصادها الحديث- لا يشكل فائدة هائلة لتركيا فحسب، بل إن نجاحها هذا من شأنه أيضاً أن يصدر الاستقرار ويخدم كنموذج للتحول في العالم الإسلامي. وفوق كل هذا فإن هذا التحديث الناجح لدولة مسلمة ضخمة يُعَد إسهاماً على قدر كبير من الأهمية فيما يتصل بأمن أوروبا.

منذ أيام مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة كان تحديث تركيا يعتمد على تطلعها نحو الغرب أو أوروبا. وخلال السنوات الثلاث والأربعين الماضية ظل تحديد هذا المنظور قائماً إلى حد كبير على مصلحة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى وعد الاتحاد الأوروبي لها بضمها إليه. ولكن على الرغم من أن نظرة سريعة إلى الإقليم المفعم بالمشاكل والذي يحيط بالجناح الشرقي لأوروبا - إيران والعراق وسورية والصراع في الشرق الأوسط، ووسط آسيا وجنوب القوقاز، وهجرة الإرهاب الإسلامي، وتهديد إمدادات الطاقة إلى أوروبا- تكفي لكي ندرك بكل وضوح الأهمية الكبرى التي تمثلها تركيا بالنسبة للأمن الأوروبي، إلا أن أوروبا تبدو وكأنها تستمتع بعدم مبالاتها بحالة العلاقات الأوروبية التركية.

هذا الخريف من المقرر أن تصدر المفوضية الأوروبية تقريراً بشأن التقدم الذي تحقق على مسار مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وقد نجد أنفسنا في مواجهة موقف خطير، فالتقرير يهدد بإخراج العملية بالكامل عن مسارها.

يكمن النزاع الرئيسي في المسألة القبرصية. فقد رفضت تركيا أن تفتح مرافئها البحرية ومطاراتها وطرقها أمام جمهورية قبرص، في مخالفة لالتزاماتها طبقاً لبروتوكول أنقرة الذي شهد وضع الشروط التي تحكم مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ولقد بررت تركيا رفضها هذا بعجز الاتحاد الأوروبي (نتيجة لاعتراض الحكومة القبرصية اليونانية في نيقوسيا) عن الوفاء بالتزامه بفتح التجارة مع شمال قبرص، وهو الجزء الواقع تحت الحكم التركي. كان الاتحاد الأوروبي قد قطع على نفسه هذا العهد في المجلس الأوروبي في شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2003، ثم تكرر التعهد نفسه بصورة رسمية في مجلس وزراء الخارجية الذي انعقد في شهر نيسان/إبريل من العام 2004. إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يف بتعهداته حتى الآن. وعلى هذا فإن النقطة القانونية هنا تصبح في صالح أنقرة ـ وليس الاتحاد الأوروبي!

حين تمت الموافقة على بروتوكول أنقرة، تمكنت بذلك حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردغان من تحقيق أمر كان حتى ذلك الوقت يُعَد من قبيل المستحيل: فقد نجح أردغان في كسر عقود من المعارضة من جانب القبارصة الأتراك لأي تسوية بين شطري الجزيرة المقسمة. ولقد قبلت قبرص الشمالية التركية الخطة التي اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان (والتي ساندها الاتحاد الأوروبي بكل ثقله) لحل هذا النزاع الذي طال أمده. إلا أن الجنوب اليوناني، بتحفيز وتحريض من حكومته، رفض تلك الخطة. والحقيقة أنه ليس من العدل بأي حال، بل ومن الحماقة أن يُحَمِّل تقرير المفوضية الأوروبية تركيا المسؤولية لرفضها تقديم المزيد من التنازلات لقبرص اليونانية (التي أصبحت الآن عضواً بالاتحاد الأوروبي)، بينما يرفض التقرير نفسه تحميل الحكومة في نيقوسيا المسؤولية، على الرغم من أنها المسؤول الحقيقي عن هذا الطريق المسدود الذي آلت إليه الأمور.

يبدو أن بعض الناس في الاتحاد الأوروبي - في فرنسا وألمانيا والنمسا بالدرجة الأولى- يشعرون برضا متغطرس حين يتوقعون حدوث صدام حول هذه القضية، متصورين أن هذا الصدام من شأنه أن يجبر تركيا على التخلي عن سعيها الحثيث إلى الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. لكن هذا الأسلوب يتسم بانعدام الشعور بالمسؤولية. وإن الاتحاد الأوروبي على وشك أن يرتكب خطأً إستراتيجياً فادحاً بالسماح لتقريره الذي سيصدر هذا الخريف بالخضوع لاعتبارات سياسية محلية قصيرة النظر من قِـبَل قلةٍ من دوله الأعضاء المهمة.

ثم ما هو المنظور الذي قد يتبقى لتركيا خارج الاتحاد الأوروبي؟ أوهام تركيا العظمى؟ أم العودة إلى الشرق والإسلام؟ لن يفلح أي من هذا. إلا أن تركيا لن تجلس ساكنة على أعتاب أوروبا. فالموقف الأوروبي يدفع تركيا نحو تشكيل تحالفات مع منافسيها التقليديين في المنطقة، روسيا وإيران. وهذه القوى الثلاث، التي تمثل أهمية كبرى بالنسبة لأوروبا، كانت في تنافس لعدة قرون من الزمان، الأمر الذي يعني إن التحالف فيما بينها قد يبدو شبه مستحيل. إلا أنه من الواضح أن أوروبا قد عقدت العزم على تحقيق ذلك المستحيل وإلحاق الضرر الأكيد بالقارة كلها.

في داخل تركيا تشير استطلاعات الرأي إلى أن الإحباط الناجم عن موقف أوروبا أصبح في تصاعد مستمر، بينما أصبحت إيران تتمتع بحظوة متزايدة بين أفراد الشعب التركي. والآن أصبحت مشاعر العزلة عن الغرب في انتشار، كما اكتسبت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وروسيا نوعاً من الألفة لم يسبق له مثيل حتى اليوم.

بالطبع، هناك مقاومة داخلية واسعة النطاق لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وعلى هذا فإن النتائج الأخيرة لعملية الانضمام تشكل مسألة معقدة مطروحة على كل من الجانبين. لا أحد ينكر أن الطريق لايزال طويلاً أمام تركيا. إلا أن تعريض هذه العملية للخطر هنا وفي هذا الوقت، مع الإدراك الكامل للعواقب والتكاليف المنتظرة، يشكل في واقع الأمر غباءً باهظ الثمن من جانب الأوروبيين، والغباء هو أسوأ الخطايا في عالم السياسة. إذا ما وصفنا العلاقات الأوروبية التركية الآن فنستطيع أن نقول إنها أشبه بقطارين يسرع كل منهما في اتجاه الآخر. والحقيقة أن لا تركيا ولا أوروبا تستطيع أن تتحمل الاصطدام الواقع لا محالة إذا ما استمر القطاران على نفس المسار.

يوشكا فيشر كان وزيراً لخارجية ألمانيا ونائباً لمستشارها في الفترة من 1998 إلى 2005. وهو زعيم حزب الخضر منذ ما يقرب من العشرين عاماً، ويعمل حالياً كأستاذ زائر بكلية وودرو ويلسون في جامعة برينستون.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجكت سينديكيت

التعليق