فرنسا ومُحَيا رويال

تم نشره في الخميس 5 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

لقد شهدنا كيف اندفعت سيجولين رويال مؤخراً إلى مقدمة جماعة الاشتراكيين الذين يطمحون إلى خلافة جاك شيراك في منصب رئيس فرنسا. منذ بضعة أشهر ما كان لأحد على الإطلاق أن يتوقع مثل هذا التطور العجيب للأحداث. فحتى وقت قريب كان أفضل تعريف

 لـ رويال - التي أصبحت الآن رئيسة لواحدة من الحكومات الإقليمية الاثنتين والعشرين في فرنسا- أنها رفيقة فرانسوا هولاند زعيم الحزب الاشتراكي، بغير زواج. ولكن طبقاً لاستطلاعات الرأي فهي المرشحة الوحيدة بين مرشحي اليسار التي تبدو قادرة على إلحاق الهزيمة بالمرشح نيكولاس ساركوزي وزير الداخلية الحالي الذي تميل الاحتمالات لصالحه لكي يصبح حامل لواء يمين الوسط في الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها فرنسا في شهر مايو/أيار القادم.

كيف صعد نجم رويال إلى هذا الحد وبهذه السرعة؟ من بين الأسباب أنها الوجه الجديد الوحيد بين الاشتراكيين الذين يتنافسون باستماتة للفوز بترشيح الحزب لواحد منهم. وجميع هؤلاء المرشحين، لورين فابيو، ومارتين أوبري، ودمينيك شتراوس خان، وجاك لانج، وحتى هولاند، وزراء سابقون تسبب كل منهم في تحييد الآخرين، بينما قرر ليونيل جوسبان رئيس الوزراء السابق أن يضع نهاية لحياته السياسية بعد الهزيمة التي لحقت به في العام 2002. وكل منهم يتسم ببعض مظاهر القوة وتعيبه بعض نقاط الضعف، ولكن لا أحد منهم يبدو قادراً على تحدي ساركوزي. والحقيقة أن جوسبان وهولاند قررا الانسحاب من السباق بعد أن ووجها بالتقدم الواضح الذي أحرزته رويال.

ومن هنا كان ذلك الفراغ الذي لا يشغله أحد. ولقد صاحب ذلك رغبة قوية بين المخلصين للحزب في التوجه نحو النهضة والتجديد. والحقيقة أن المزية الرئيسية التي تتسم بها رويال هي أنها لم تشارك في المعارك الداخلية العديدة التي أغضبت الناخبين الاشتراكيين، كما نجحت بفضل عدم ارتباطها المباشر بزعامة الحزب في تجنب تحميلها المسؤولية عن الأخطاء التي وقع فيها الحزب. وهذا هو السبب الذي جعل ابتعادها عن المركز يشكل واحداً من أصولها الرئيسية بدلاً من أن يشكل عائقاً أمامها.

الحقيقة أن خبرتها الوزارية ضئيلة على المستوى السياسي - كانت وزيرة للبيئة في العام 1992، ونائبة وزير التعليم الثانوي في الفترة من 1997 إلى 2000، ووزيرة لشؤون الأسرة في الفترة من 2000 إلى 2002- ولقد لفتت الانتباه بصورة أساسية لعملها في قضايا تتصل بالمشاكل اليومية، مثل برامج الأطفال في التلفاز وإساءة معاملة الأطفال في المدارس. لكن على الرغم من أن العديد من الساسة لا يعتبرون مثل هذه الأمور على قدر كبير من الأهمية السياسية، إلا أنها تعني الكثير بالنسبة للمواطن العادي. وهذا هو السبب الذي جعل الناس ينظرون إليها باعتبارها سياسية مخلصة، وليست مجرد شخص لا يهتم سوى بطموحاته الشخصية.

أما في القضايا المتعلقة بالأمن والتعليم، فإن رويال تختلف عن اليسار التقليدي، حيث تميل إلى التشدد بعض الشيء. وهذا أيضاً يعد من الميزات في دولة حيث يشكل الأمن الأولوية الأولى لدى أغلب الناس هذه الأيام. وبصفتها أما لأربعة أبناء تعلن عن إيمانها بالقيم الأسرية التقليدية، فهي تشكل أيضاً عامل جذب لناخبي اليمين، بينما تجعلها علاقتها غير الزوجية بهولاند تبدو وكأنها امرأة معاصرة.

فضلاً عن ذلك فإن مجرد كونها امرأة يُعَد من الأصول العظيمة. فهي تجيب عادة حين يزعجها سائل ما: "هل كنت لتطرح نفس السؤال عليّ لو كنت رجلاً؟". ومنذ تلقى لورين فابيو ضربة قاسية في استطلاعات الرأي بعد أن سخر من ترشيحها حين سأل: "من الذي سيرعى الأطفال؟"، يخشى خصومها أن يظهروا وكأنهم من مناهضي المرأة حين يهاجمونها. وهي حين ينتقدونها بالفعل تسارع إلى اتخاذ مظهر الضحية البريئة.

وباعتبارها مخططة سياسية بارعة فقد كانت مبدعة أيضاً في تنظيم حملتها الانتخابية على شبكة الإنترنت، حيث كانت تخطط لتحديد برنامجها الانتخابي من خلال استجابات مستخدمي شبكة الإنترنت. والشعار الذي تستخدمه دوماً، "برنامجي هو برنامجكم"، قد يحظى بشعبية كبيرة بين المواطنين الذين لا يثقون في النخبة السياسية، مثلهم في ذلك كمثل المواطنين في أغلب الدول الديمقراطية. وحتى مع أنها تلقت تعليمها، مثل أغلبية طبقة الساسة في فرنسا، في الكلية الوطنية للإدارة (Ecole Nationale d’Administration)، إلا أنها تزدري اللغة والعادات المرتبطة بمصنع النخبة ذلك. وأخيراً وليس آخراً لابد وأن نذكر أنها امرأة جذابة. ولقد أدت الصور التي التقطت لها بملابس السباحة أثناء الصيف إلى قدر كبير من المناقشات والجدال في كل أنحاء فرنسا.

لكن اللعبة لم تنته بعد. فلسوف يقرر الاشتراكيون في السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني من سيكون مرشحهم. ويستشهد منافسوها الذين يلونها في استطلاعات الرأي بافتقارها إلى المصداقية فيما يتصل بالسياسة الاقتصادية والعلاقات الدولية. فلا أحد يعرف شيئاً عن آرائها بشأن الشرق الأوسط، والإرهاب، والردع النووي، والأمن الدولي. وكانت أثناء حرب لبنان الأخيرة قد دعت بل كلينتون إلى التدخل ـ وهي إجابة غير شافية بالنسبة للعديد من الناس.

إن افتقار رويال إلى البرنامج الانتخابي كان مكمن قوة بالنسبة لها، إلا أنه قد يكون سبباً في سقوطها. وفي نهاية المطاف سوف يكون لزاماً عليها أن تتخلى عن غموضها المدروس، وربما تضطر إلى دفع ثمن ذلك أيضاً. إن عدداً ضئيلاً من الناخبين قد يؤيدون شخصاً يعتمد برنامجه السياسي على التعليم والدفاع عن الأسرة فحسب. ويخشى بعض الاشتراكيين أن تعجز رويال عن مواجهة ساركوزي في المناقشات المباشرة إذا ما تم ترشيحها.

فضلاً عن ذلك، فإن استطلاعات الرأي في فرنسا تشكل عاملاً متقلباً. فمنذ العام 1981 لم يفز بالرئاسة أي ممن تقدموا في استطلاعات الرأي. فطبقاً لاستطلاعات الرأي كان من المفترض أن يفوز فاليري جيسكار ديستان وليس فرانسوا ميتران بانتخابات العام 1981. وفي العام 1988، قبل بضعة أشهر من الانتخابات كان ريموند بار(رئيس الوزراء الأسبق) متقدماً الآخرين في استطلاعات الرأي، إلا أنه لم يتأهل حتى للجولة الثانية من الانتخابات النهائية.

وقبل بضعة أسابيع من انتخابات العام 1995 كان جاك شيراك يبدو ضعيفاً للغاية إلى الحد الذي جعل أحد الصحافيين يسأله على نحو متبلد أثناء برنامج تلفزيوني يبث على الهواء مباشرة ما إذا كان من الأصلح بالنسبة له أن ينسحب. وفي العام 2002 كان جوسبان يُـعَـد الفائز الوحيد المحتمل، إلا أنه في النهاية احتل المركز الثالث فجاء متخلفاً عن شيراك وجين ماري لوبان.

لكن رويال واثقة من مصيرها. فهي بعيدة تماماً عن كونها مرشحة ضعيفة، كما أنها سريعة التعلم، فضلاً عن فريق إدارة الحملة الانتخابية القوي الذي يساندها. وإذا تمكنت من تعزيز برنامجها على صعيد السياسية الخارجية فقد تكون بذلك قد فتحت فصلاً جديداً في تاريخ السياسة الفرنسية.

باسكال بونيفيس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS) في باريس.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق