إبراهيم غرايبة

ضعف القوة

تم نشره في الثلاثاء 26 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

يقترح كتاب "مفارقة القوة الأمريكية" لمؤلفه جوزيف ناي، المفكر الاستراتيجي الأمريكي، وعميد معهد كينيدي لأنظمة الحكم في جامعة هارفاد الأفكار والسياسات التي يجب أن تتبعها الإدارة الأمريكية، ولكن الكتاب يصلح لفهم محددات القوة والضعف على نحو عام، وبرغم أنه يحلل السياسة الأمريكية فيمكن قراءته دليلا في الحياة والإدارة والعمل بعامة.

القوة هي القدرة على التأثير في الأهداف المطلوبة، وتغيير سلوك الآخرين عند الضرورة. وعلى سبيل المثال فقد ردعت القوة العسكرية لحلف الناتو رئيس صربيا سلوبودان ميلوسووفتش، ودفعت الوعود بالمساعدات الاقتصادية حكومة صربيا إلى تسليم ميلوسوفتش إلى محكمة لاهاي. فالقدرة على الحصول على الأهداف المطلوبة تتحقق بالقوة الصلبة العسكرية أو الناعمة الثقافية والاقتصادية.

وترتبط القوة بالموارد، ولذلك فإن فهم القوة يقتضي فهم الموارد، فتكون المحصلة التطبيقية لفهم القوة ومصادرها بالنسبة للدولة هي امتلاك عناصر معينة امتلاكا متفوقا أو مؤثرا مثل السكان والإقليم الجغرافي والموارد الاقتصادية الطبيعية والتجارية والقوة العسكرية والاستقرار السياسي.

وتكون في أحيان كثيرة موارد أو مصادر قوة معينة هي سر القوة والتأثير مثل الصناعة القائمة على الطاقة البخارية والسيطرة البحرية البريطانية في القرن التاسع عشر، وسكة الحديد الألمانية في النصف الأول من القرن العشرين، والقوة النووية للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي القرن السادس عشر كانت الهيمنة والتأثير لإسبانيا عبر السيطرة على الذهب والتجارة الاستعمارية وعلاقات الأسر الحاكمة، كما كانت لهولندا في القرن السابع عشر عبر التجارة ورأس المال، ولفرنسا في القرن الثامن عشر عبر الثقافة والصناعات الريفية والسكان والإدارة العامة.

وتبدو الولايات المتحدة قوة متفوقة بفارق كبير إذا ما قورنت بالدول المهمة الأخرى مثل ألمانيا وروسيا وبريطانيا والصين والهند واليابان على أساس مجموعة من مصادر القوة كالمساحة الجغرافية وعدد السكان ونسبة التعليم والقوة النووية والميزانية والجيش والناتج المحلي والقوة الشرائية والصناعة والصادرات التكنولوجية واستخدام الكمبيوتر، وتتفوق عليها روسيا بالمساحة، والصين والهند بالسكان، وربما يكون القرن الحادي والعشرين وفق هذه المعطيات قرنا أميركيا.

ولكنها قوة تتضمن ضعفا، وفي القوة دائما ضعف، فمن نقاط الضعف التي يراها جوزيف ناي في القوة الأميركية أن الولايات المتحدة بحاجة إلى ائتلاف وتشارك مع العالم، فهي لا تستطيع التصرف منفردة رغم قوتها وتفوقها، فقوتها لا تكفي لحل مشاكل مثل الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية، وستقع في متاعب كثيرة إن لم تتفهم ذلك وتتعلم كيف تعمل مع الآخرين وتقودهم.

هل ستضعف الولايات المتحدة وتتراجع؟

إن القوة الحقيقية ليست في القوة العسكرية والاقتصادية فقط، فقد سقطت روما في العصور القديمة وهي في ذروة مجدها، ولكنها تعفنت من الداخل، فهل هناك علامات على التفسخ في الولايات المتحدة اليوم؟

لقد كشفت انتخابات الرئاسة الأميركية عن انقسام كبير في الولايات المتحدة بين الريف والمدن، وبين الولايات والمناطق، وأظهرت أيضا برأي علماء أميركيين انهيارا أخلاقيا مثل تفكك الأسر والعادات والمبادئ الأخلاقية والمثل العليا وارتفاع معدلات الجرائم والطلاق وحمل المراهقات سفاحا.

ولكن الوضع الأخلاقي والثقافي الأميركي يتحسن، وهو في التسعينيات أفضل من أية فترة ماضية، والجبهة الداخلية الأمريكية ربما تكون أفضل وأشد تماسكا من أوروبا وسائر الدول الكبرى والغنية، ومازالت الولايات المتحدة تجتذب أفضل الكفاءات  العلمية والاستثمارات من جميع أنحاء العالمن وإن كان استيعاب هؤلاء المهاجرين وصهرهم في ثقافة واحدة مشتركة يبدو تحديا أميركيا، ولكنه ليس تحديا خطيرا، فنسبة الذين لا يتحدثون الإنجليزية من المهاجرين لا تتجاوز 3% وهم يندمجون في المجتمع الأمريكي بسرعة.

ولكن الولايات المتحدة بحاجة إلى التوازن بين الانعزال عن العالم والأحادية في الهيمنة والقيادة وتجاهل الآخرين، وأن تلاحظ أنها ليست متفردة في الحقيقة على الساحة العالمية، فهي متفوقة عسكريا فقط، ولكنها اقتصاديا شريك مع أوروبا واليابان، وهناك نسبة عالية من فرص القوة والتأثير تمتلكها الدول والجماعات في شتى أنحاء العالم، وهي قوة يجب ألا يستهان بها ولا يمكن التعامل معها دون تعاون عالمي.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق