منار الرشواني

إرهاب برسم البيع!

تم نشره في الجمعة 15 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

في بلد تصل سطوة الأجهزة الأمنية المترسخة على مر عقود، حد مراقبة أحلام المواطن ومحاكمته عليها، كما تتندر الدراما السورية نفسها وليس غيرها! يتمكن أربعة مسلحين بقذائف صاروخية وقنابل يدوية وأحزمة ناسفة، من الوصول إلى السفارة الأميركية بدمشق لتفجير سيارتين مفخختين قاموا بتجهيزهما! والسؤال من ثم: كيف يمكن فهم هذه العملية التي لا تعد الأولى من نوعها، بل هي مع مثيلات لها سابقة تكاد تكون المألوف وليس الاستثناء؛ ففي حزيران الماضي، كانت وكالة الأنباء السورية (سانا) تعلن مقتل أربعة مسلحين وإصابة اثنين آخرين حاولوا السيطرة على مبان قرب التلفزيون السوري، وسبق ذلك إعلانات متكررة عن اشتباكات مسلحة مع إسلاميين متشددين أو تكفيريين في غير مكان من سورية؟

أعداء النظام السوري المهووسون بنظرية المؤامرة سيسارعون، وقد قاموا بذلك فعلا، إلى اتهام هذا النظام بفبركة العملية، كون ذلك الطريق الأكثر مباشرة لإيصال رسالة شديدة الوضوح بشأن البديل المزعوم الذي ينتظر الإدارة الأميركية في حال إصرارها على اسقاط النظام السوري، أوعلى الأقل إضعافه والاستمرار في تجاهله: تنظيمات "قاعدية" فكرا، إن لم تكن تنظيما وتمويلا أيضا! بمعنى أن الولايات المتحدة إنما تدعم بتصرفاتها أعداءها الألداء!

لكن المفارقة أن هذا التفسير "المؤامراتي"، بكل الأوصاف السيئة التي يمكن إطلاقها عليه من قبل مؤيدي النظام، قد يكون التفسير الأفضل لهذا النظام، إن على صعيد شرعيته الوطنية والقومية، او على صعيد الشرعية الممنوحة أميركيا!

فحين يكون تصريح أو بيان واحد مطالب بالإصلاح السلمي، والسلمي تماما، كافيا لإرسال صاحبه أو الموقّع عليه إلى غياهب السجون لسنوات (غالبا بعد ترتيب تهمة تمس الشرف والنزاهة)، فإن افتراض صدق كل الإعلانات السورية الرسمية التي تؤكد تكاثر الجماعات التكفيرية التي تتبنى العنف والإرهاب في إيصال رسالتها وتحقيق أهدافها، يفضي إلى نتيجة منطقية واحدة تحمّل النظام السوري وحده مسؤولية تكاثر هكذا جماعات؛ وذلك من حقيقة أن النظام السوري بات مهتما بأعدائه من مطالبي الإصلاح بطريقة سلمية، مكرسا لهم كل قدراته الأمنية والعسكرية الضخمة، في مقابل إهمال التكفيريين المتكاثرين، والذين هم أعداء الوطن ككل؟!

أما بالنسبة للولايات المتحدة التي جعلت من القاعدة والتنظيمات الحاملة لفكرها عدوها الجديد الأخضر الذي بات يشغل في القرن الواحد والعشرين موقع العدو السوفيتي الأحمر، فإن تكاثر هذه التنظيمات في سورية إنما يؤكد صحة الفرضية التي قام عليها أحد أركان الحرب على الإرهاب وهو تغيير الانظمة الديكتاتورية ونشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي!

ذلك أن الحجة الأميركية لتبني هذه السياسة كانت أن الأنظمة الديكتاتورية العربية قد سعت دوما إلى استغلال الصراع العربي-الإسرائيلي، وضمنه إبراز الدعم الأميركي (اللامحدود فعلا) لإسرائيل، لصرف أنظار الشعوب العربية عن المشكلات الحقيقية التي تواجهها والتي هي في الواقع مسؤولية الأنظمة الديكتاتورية التي تحكمها قبل غيرها، بحيث سمح ويسمح هذا الاستغلال بتوجيه كل الاحباط العربي والإسلامي إلى الولايات المتحدة خصوصا، لتغدو هدفا للمتطرفين الإسلاميين فيما تضمن الأنظمة الديكتاتورية بقاءها واستمرارها. أفليس ذلك هو ما تجسد أخيرا في محاولة الهجوم على السفارة الأميركية بدمشق؟!

إلى الآن، وكما يوحي الشكر الدافئ لسورية على حماية الدبلوماسيين الأميركيين، قد يبدو أن الإدارة الأميركية ارتضت الأخذ بالتفسير الأول "المؤامراتي"، لكن ذلك لا يعني بالضرورة ابتلاع هذه الإدارة للطعم السوري، بقدر ما قد يكون توافقا أو تواطؤا يضاف إلى الخسائر الكثيرة التي يتضمنها ما يسمى "نصرا" عربيا في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. ولعل القادم يكشف ما إذا كان هذا العدوان "حرب تحريك" تفتح الطريق تماما لإسرائيل.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق