إبراهيم غرايبة

هل يحتاج النظام العالمي إلى الإرهاب؟

تم نشره في الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

سيبقى يوم 11 أيلول من كل عام على الأرجح مناسبة سنوية عالمية لمناقشة موضوع الإرهاب، وربما لم تعد الأحداث بذاتها قصة كبيرة، ولكن تداعياتها التي لم تتوقف بعد أصبحت أكبر بكثير، فقد أعيد تشكيل العالم كله في مواجهة الإرهاب، ووقعت معارك وحروب وعمليات عسكرية وصراعات ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الناس الأبرياء والعاديين ممن لا علاقة لهم بالإرهاب ولا بالسياسية، واحتلت دول وغيرت أنظمة سياسية، ولا يبدو أن الإرهاب والعنف قد تراجع، بل العكس فإن موجات متلاحقة من الكراهية تتصاعد وترشح العالم لمزيد من العنف والصراع.

كان ذلك كله من الممكن تجنبه، وكان من الممكن مواجهة الإرهاب والعنف من دون هذه الخسائر والتضحيات الكبرى التي لم تحقق أهدافها المفترضة، ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة أكثر من أي قضية أخرى، هل من سبيل إلى استراتيجيات وسياسات بديلة لمواجهة العنف والإرهاب لا تؤدي إلى ما هو أسوأ من الإرهاب نفسه أو تسوق العالم إلى إرهاب جديد أكثر عنفا وقسوة ووحشية؟

هذه التعبئة الشاملة ضد"الفاشية الإسلامية" شغلت المجتمعات والدول بقضايا أقل أهمية وتركت الفقر والمرض والوباء والأمية والفجوات الاقتصادية والجريمة المنظمة والتلوث والفساد وتحديات وفرص التنمية والتعليم والإصلاح والرعاية الصحية والاجتماعية والتقنية والمعرفة مغيبة بلا خطط كافية لمواجهتها والتعامل معها.

لقد أوضحت الأحداث والأيام كيف تختار الدول والجماعات الاستجابة لأزمة عالمية، لكن أحدا لا يعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة، وإن كان من المؤكد أن النظام العالمي يعاد تشكيله وأنه يشهد تغيرات مفاجئة، واليوم تبدو الولايات المتحدة الأميركية التي أعلنت الحرب على "الشر" وكأنها تخوض في معركة بلا نهاية، وكأنها تخوض في مستنقع تغرق نفسها والعالم فيه، فلا هي قادرة على الانتصار ولا الخروج، ولعلها –وهذا هو المرجح- غير راغبة في الانتصار ولا الخروج من اللعبة. فهذه الحروب والانتصارات السهلة إنما هي بمثابة حملة انتخابية ناجحة، نجاح لا يحقق إلا انتخابا أو إعادة انتخاب وبقاء وإنعاش مجموعات ونخب سياسية وشركات واستثمارات عالمية ووكلاء صغار حول العالم، ولكنه نجاح يدفع العالم كله نحو الضياع والأزمات المفتعلة والمغامرات التي تشغل عن التحديات لحقيقية وغياب البوصلة والأولويات، ففي الوقت الذي قتل فيه بضعة آلاف بسبب نوع من الإرهاب، فإن عشرات الملايين يقتلون بسبب أنواع أخرى من الإرهاب ناتجة عن الفقر والمرض والظلم والفساد والاستبداد. نحتاج إلى أن نتعلم كيف نرى الإرهاب.

إلى من نستطيع أن نوكل قيادتنا عبر تصادم عوالم الأفكار ومناورات القوة التي تشكل هذا الزمان؟ من الذي يستطيع الرؤية عبر دخان وأنقاض ما يحدث من عنف وإرهاب، ويفهم ما يجب فعله لضمان أن لا تقع هذه الأحداث مرة أخرى؟ ومن سيعيد صياغة النظام العالمي الذي ثبتت هشاشة حدوده وتداخلها؟ وماذا عن الغرب أي الولايات المتحدة وأوروبا؟

لقد حسمت الحرب الباردة، وانهار جدار برلين، ولم يعد ثمة عدو يقاتله الغرب، وانتهى الاستعمار والاحتلال، ونشأت اقتصاديات رفاهية مفتوحة، ونشأ مجتمع ناجح من التجار والمشرعين والجماعات والمصالح، ولم يعد ثمة خصم يقاتله الغرب، فلم يعد ثمة إمبراطورية شر، ولا عالم منقسم بين طيب وشرير.

يقول الشاعر سي.بي. كفافي في قصيدته "في انتظار البرابرة" والتي كتبها عام 1898،"والآن ماذا سيحدث لنا من دون برابرة؟ كان أولئك الناس نوعا من الحل"، وبرأي كريس باتين آخر حكام هونغ كونغ البريطانيين فإن المأزق الغربي الذي يرى العدو مبررا للاستمرار، ولكنه يرى أن ذلك يجب أن لن يغير شيئا، وأن يبقى الأمر كما لو أن البرابرة موجودون فالتاريخ علمهم أن البرابرة يعودون دائما.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق