في ذكرى 11 أيلول؛ أسئلة بلا أجوبة

تم نشره في الأحد 10 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

يتذكّر العالم هذه الأيام مرور خمس سنوات على كارثة الحادي عشر من أيلول 2001. كان الهجوم الذي سمّاه أسامة بن لادن "غزوة" واشنطن ونيويورك مبرّراً لبدء الحرب الأميركية على الارهاب، وهي في الواقع الحرب العالمية الجديدة التي تختلف عن كلّ ما سبقها من حروب. تختلف هذه الحرب عن غيرها من زاوية واحدة على الأقلّ تتمثّل بأن هدف الحرب يتغيّر باستمرار. من حرب على الارهاب الذي تمثّله "القاعدة" التي كانت قد وجدت في أفغانستان- طالبان مأوى آمناً لها إلى حرب على العراق الى حديث الآن عن ضرورة ضمّ إيران ومعها سورية إلى هذه الحرب.

مرّت خمس سنوات على العمل الارهابي الذي أقدم عليه أسامة بن لادن وتنظيمه. وكانت السنوات الخمس كافية لإظهار كم أن السياسة الأميركية قصيرة النظر. لم يدرك الأميركيون منذ البداية أخطار التطرّف الديني الذي يمكن أن ينجم عن استخدام "القاعدة" في الحرب الأفغانية الداخلية بغية شن حرب استنزاف على الاتحاد السوفيتي، طوال فترة الثمانينيات من القرن الماضي. وكانت النتيجة أن "القاعدة"، وهي انتاج أميركي في الأصل، ارتدت على من صنعها أو لنقل على مرتكبي هذا الإثم وهاجمت الأراضي الأميركية للمرة الأولى منذ قيام دولة اسمها الولايات المتحدة. حتى الهجوم الياباني على بيرل هاربر، في السابع من كانون الأول- ديسمبر 1941، لم يُعتبر هجوماً على الأرض الأميركية نظراً ألى أن هاواي تقع على بعد آلاف الكيلومترات من البر الأميركي.

في الحادي عشر من أيلول 2001، انقلب السحر على الساحر. دفعت الولايات المتحدة ثمن الاستثمار في منظمات دينية متطرّفة بحجة استخدامها في الحرب الباردة، مع ما كان يعتبر القوة العظمى الأخرى في العالم. لم تتنبّه الإدارات الأميركية المتلاحقة من إدارة كارتر، الى إدارة ريغان، إلى إدارة بوش الأب، إلى إدارة بيل كلينتون إلى خطورة هذا النوع من الاستثمارات من جهة، وخطورة تفادي البحث في جذور المشكلة من جهة أخرى. وتكمن الجذور، بكل بساطة، في أن مجتمعات عربية صارت تنتج هذا النوع من الإرهابيين بسبب أنظمة تعليميّة متخلّفة معتمدة، في هذا البلد أو ذاك، لم تعرها الإدارة الأميركية أيّ اهتمام الاّ بعد فوات الأوان. وبكلام أوضح، ان الاستثمار في التطرف الديني يمكن أن يكون مفيداً في مرحلة ما، لكنّه استثمار لا يمكن إلاّ أن يعود بالضرر على الذين قاموا به عاجلاً أم آجلاً.

بعد خمس سنوات على هجمات 11 أيلول 2001، حصل تطور في غاية الأهمّية، أذ بدأ الرئيس بوش الابن يتحدّث عن خطري "القاعدة" والنظام الإيراني في الوقت ذاته. ولكن يبدو واضحاً أن إدارته لم تستوعب بعد النتائج التي ترتّبت على ضرباتها العشوائية بعد الهجمات التي استهدفت نيويورك وواشنطن. أسقط الأميركيون النظام المتخلّف لـ"طالبان" في أفغانستان، نظراً إلى أنه وفّر مأوى لبن لادن وتنظيمه، ولكن ما دخل العراق بتنظيم "القاعدة"؟ ولماذا شنّ حرب على هذا البلد في سياق الحرب على الإرهاب؟ الأكيد أنّه كان ضرورياً أن يرحل نظام صدّام حسين العائلي- البعثي لأسباب مختلفة، خصوصاً بعد جريمة احتلال الكويت، وبعد كل ما فعله بالعراق والعراقيين الذين تنقّل بهم من حرب إلى أخرى، ولكن ما ليس مفهوماً، إلى الآن، كيف يمكن للقوة العظمى الوحيدة في العالم أن تخوض حرباً كتلك التي خاضتها في العراق من دون أن تكون لديها فكرة عن النتائج التي ستترتّب على مثل هذا العمل؟

عندما يتحدث الرئيس الأميركي، هذه الأيام، عن الخطر الإيراني ويضعه في المستوى ذاته للخطر الذي تمثّله "القاعدة"، ربّما عليه أن يسأل نفسه أوّلاً: من مكّن النظام في طهران من امتلاك كلّ هذا النفوذ الإقليمي غير السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية إلى حدّ ما؟ أوليست إيران المنتصر الأوّل من الحرب الأفغانية بعدما أزاح الأميركيون نظاماً معادياً لها على حدودها؟ أليست إيران المنتصر الوحيد من الحرب الأميركية على العراق وسقوط نظام صدّام حسين عدوّها التاريخي؟ أوليس الاحتلال الأميركي للعراق، الذي شجّعت عليه إسرائيل، هو الذي مكّن النظام الإيراني من نشر نفوذه في كلّ أنحاء العراق، خصوصاً في الجنوب الذي أصبح أقرب إلى محافظة إيرانية أكثر من أيّ شيء آخر؟ أوليس الاحتلال الأميركي الذي قضى على الوجه الحضاري لبغداد، أو على الأصحّ، ما بقي من هذا الوجه الذي كانت تعكسه حياة اجتماعية ذات طابع مدني متطوّر تأسست في العشرينيات مع نشوء الدولة العراقية الحديثة. كانت الدولة العراقية وقتذاك في عهدة الهاشميين الذين لم ير العراق يوماً أبيض منذ تلك الجريمة البربرية التي ارتكبت في حقّهم في ذلك اليوم الأسود من صيف العام 1958 من القرن الماضي؟ أليست إيران ومعها النظام السوري المنتصر الأوّل من الحرب التي شنّتها إسرائيل على الراحل ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني تحت مظلّة الحرب الأميركية على الإرهاب، ما أدّى إلى صعود "حماس" التي يُدار الآن قسم منها من دمشق وطهران؟

يمكن أيضا الحديث طويلاً عن تعاظم الدور الأإراني في لبنان عبر الأراضي السورية جراء السياستين الأميركية والإسرائيلية، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول 2001 وحتى قبل ذلك، لكنّ كلّ ما يمكن قوله هذه الأيّام أن الإرهاب لا يحارب بتوزيع الاتهامات يميناً ويساراً. الإرهاب يحارب عن طريق اتباع سياسة أميركية مختلفة تقوم على الابتعاد عن التصرّفات العشوائية على غرار ما حصل في العراق أو في فلسطين حيث تُركت الساحة لأرييل شارون يمارس ارهابه على شعب بكامله من أجل تكريس الاحتلال بحجّة أنّه يحارب الارهاب.

نعم، ثمة مشكلة اسمها الإرهاب في العالم. لكنّ هذه المشكلة لا تعالج عن طريق عمل كلّ شيء من أجل أن يكون النظام الإيراني المستفيد الأوّل من السياسة الأميركية، ثم اكتشاف أنه لا بدّ من مواجهة هذا النظام وأنّه لا يقلّ خطورة عن "القاعدة". ليس مطلوباً بالطبع الدخول في مواجهة مع إيران بمقدار ما أن المطلوب التساؤل من دفع الولايات المتحدة إلى احتلال العراق، وما هو الهدف الحقيقي للعملية؟ هل تصب في خدمة محاربة الإرهاب أم في خدمة شرذمة المنطقة؟

السؤال الأخير الذي يتوجّب على الإدارة الأميركية الإجابة عنه، بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لكارثة الحادي عشر من أيلول، هو: كيف تخدم إثارة الغرائز والنعرات الطائفية الحرب على الإرهاب؟ هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى أجوبة، لكنّ الأكيد أن العالم ليس أكثر أماناً اليوم مقارنة بما كان عليه قبل خمس سنوات. أكثر من ذلك مشاكل العالم تبدو أكثر تعقيداً وخطورة، بعدما فشلت القوّة العظمى الوحيدة في العالم في تقدير النتائج التي ستترتب على غزو العراق وانعكاساته السلبية على الإقليم كلّه.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق