محمد أبو رمان

من يرسم مستقبل حماس؟

تم نشره في الأربعاء 30 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

ثمة متغيرات متعددة تساهم في تحديد مستقبل حركة حماس واتجاهاتها القادمة. المستوى الأول من المتغيرات الموقف الإقليمي فيما إذا سيطرت أجواء الأزمة والحرب على تطور الملف النووي الإيراني والعلاقة مع سورية أم تم عقد صفقات إقليمية تعيد ترتيب الأوراق في المنطقة، والمستوى الثاني يرتبط بالتصورات الإسرائيلية للمرحلة القادمة في ضوء المراجعات والمناظرات التي تدور في تل أبيب عقب العدوان على لبنان، والمستوى الثالث هو الفلسطيني والعلاقة بين حماس والقوى الأخرى، والمستوى الرابع رؤية الحركة للمرحلة واستراتيجية التعامل معها.

أحد الأسئلة الرئيسة المفصلية الذي يمثل مفتاحاً في قراءة الاحتمالات المستقبلية يتمثل بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، التي نصت عليها وثيقة الإجماع الوطني ووقعتها حماس مع الفصائل الفلسطينية المختلفة. عملية تشكيل الحكومة تواجه ثلاثة ملفات رئيسة الأول ملف الموقف من التسوية والثاني توزيع الحقائب والثالث الشروط التي أعلنها اسماعيل هنية، ويرتبط التعامل مع هذه الملفات بوجود رغبة حقيقية وقوية لدى حماس وفتح بإنقاذ الحالة الفلسطينية من المرحلة الخطيرة التي وصلت إليها.

هذه المتغيرات والأسئلة تلقي بظلالها الواسعة على الديناميكية الداخلية والاتجاهات المختلفة في "حماس". فمن الواضح أن ثمة اتجاهين رئيسيين داخل الحركة، الأول "واقعي" تمثله الحكومة ورئيسها إسماعيل هنيّة، ويقود عملية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والاقتراب من تفاهمات كبيرة مع حركة فتح والاندماج بمنظمة التحرير الفلسطينية، متأثراً (بـ) ومستجيباً (لـ) المشكلات الواقعية التي تواجهها الحكومة من معاناة الفلسطينيين اليومية وتأمين رواتب عشرات الآلاف من العاملين في مؤسسات السلطة والحصار الدولي والإقليمي الذي عانى منه الفلسطينيون طيلة الشهور الستة التي تلت تشكيل الحكومة.

أمّا الاتجاه الثاني "المتشدد" فيمثله المكتب السياسي في دمشق، أو ما اصطلح على تسميته بـ"حماس الخارج"، ويتقاطع بدرجة رئيسة مع الأجندة الإيرانية والسورية، ويروج اليوم للصمود الذي حققه حزب الله محاولاً تعميم التجربة ونقلها إلى غزة ابتداءً، ويؤيد هذا الاتجاه الجناح المسلّح للحركة "كتائب عز الدين القسّام". إذ تشير بعض التقارير أنّ حكومة حماس لم تكن على علم بعملية "الوهم المتبدد" في غزة، بينما كان خالد مشعل ملمّاً بتفاصيلها.

الخيار الرئيس الذي يتبناه الاتجاه المتشدد هو الدفع باتجاه حل السلطة الفلسطينية، ووضع إسرائيل والمجتمع الدولي أمام استحقاق الاحتلال المباشر والمعلن، والتخلي عن سلطة وهمية لا معنى ولا مضمون حقيقيا لها، والعودة إلى خيار المقاومة المسلّحة، بعدما ثبت عملياً استحالة الجمع بين المقاومة والمسار السياسي.

يعترف الاتجاه "المتشدد" أنّ خيار "حل السلطة" ليس بيد حماس، إنما بيد فتح، التي تعارضه بشدة. معتبراً أنّ استمرار حماس بالحكومة أو موافقتها على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يساهم في حل مشكلات الاحتلال، الذي تحوّل مع قيام السلطة الفلسطينية إلى ما يطلق عليه في أوساط إسرائيلية "احتلال ديلوكس" أو نظيف؛ إذ تقوم السلطة بواجبات الاحتلال، وفق القانون الدولي، برعاية الخاضعين له، كما أنها تسمح لجيش الاحتلال بالبقاء بعيداً عن التجمعات الفلسطينية، مع التدخل وقت الحاجة، من دون رادع، بحجة الرد على العمليات.

مع عدم إمكانية حل السلطة حالياً، فإنّ هذا الاتجاه يدفع نحو الانسحاب من الحكومة، أو سحب الصف الأول في "حماس" منها، والعودة إلى مشروع المقاومة، والهروب من استحقاقات السلطة التي أرهقت حكومة حماس منذ تأسيسها، بخاصة أن أكثر موظفي السلطة، وفقاً لرؤية قيادات من حماس، هم من حركة فتح، وهي من باب أولى مطالبة بتأمين رواتبهم، بعد أن سلّمت حماس خزينة خالية.

يمكن رصد الخلافات داخل حماس من خلال الهجوم الإعلامي غير المسبوق، الذي تقوم به أقلام مقربة أو محسوبة في الأصل على حركة "حماس"، على الحكومة، ومن الواضح أن هذا الهجوم يأتي بتحريض من "حماس الخارج" لممارسة ضغوط على الحكومة لعدم المضي قدما في تشكيل الحكومة الوطنية من ناحية، ولتأليب قواعد حماس وأنصارها على قيادة الداخل من ناحية أخرى. المقالات المذكورة لم تتردد باستخدام مصطلحات وإطلاق أحكام قاسية على رئيس الحكومة واتهامه بالضعف والعجز وفقدان البوصلة والسير بركاب الرئيس عباس!

في حال تمكّنت حماس الخارج من الحيلولة دون المضي قدما في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فإنّ قيام الرئيس عباس بإعلان حل السلطة رسمياً غير محتمل، لكن تدهور السلطة وانهيارها عملياً سيكون الاحتمال الأكبر، ما سينتج عنه إمكانية تجدد الصراع والاقتتال الداخلي وتدهور الحالة الأمنية، وانتقال الكلمة إلى قادة الأجنحة العسكرية وقيادات الشارع، وإذا وقع ذلك، فإن الحديث عن عودة الفدرالية بين الضفة الشرقية والغربية سيتجدد بقوة أميركياً وإسرائيلياً، بل إن هنالك مراكز دراسات مرتبطة باليمين الأميركي، كمعهد (انتربرايز) الأميركي، بدأت بالفعل بمناقشة خيار الفدرالية، مع البحث عن حل سياسي وأمني لمشكلة قطاع غزة، الذي لن يكون الأردن متحمساً، بالضرورة، للتورط فيه، فضلاً عن موقف الأردن الواضح والمعلن من رفض الفدرالية قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.

يبقى أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتفويض أمر المفاوضات لمحمود عباس هو الحل الواقعي الأنسب للمشهد الفلسطيني، ما يضمن على الأقل الوحدة الداخلية وإدارة الاختلافات سلمياً وعدم تفجر الصراع، وإلقاء الكرة في ملعب إسرائيل والنظام العربي والمجتمع الدولي بدلاً أن يكون موقف حماس هو "الشماعة" التي تعلق عليها جرائم إسرائيل والتواطؤ الأميركي والعجز العربي!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق