هل انتصر حزب الله؟

تم نشره في الثلاثاء 29 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

في أعقاب حرب أكتوبر 1973 مباشرة دخل العالم العربي في حالة من الابتهاج والحبور لأن أسطورة إسرائيل التي لا تقهر قد تحطمت على أيدي المصريين الذين عبروا قناة السويس والسوريين الذين شنوا هجوماً مكنهم من اجتياح هضبة الجولان. وفي إسرائيل كان الانتقاد شديداً للزعامات السياسية والعسكرية على السواء، والتي تحملت مسؤولية خسارة أرواح ثلاثة آلاف جندي في حرب انتهت بلا نصر واضح. وبالطبع نالت تلك الانتقادات من سمعة وجدارة رئيسة الوزراء جولدا مائير، ووزير الدفاع موشيه ديان، ورئيس أركان قوات الدفاع الإسرائيلية ديفيد أليعازر، ورئيس الاستخبارات العسكرية، وسرعان ما استبدلوا جميعاً.

بعدئذ فقط بدأ تقدير الأبعاد الصحيحة لتلك الحرب، ومن عجيب المفارقات أن يحدث ذلك من جانب القيادات المصرية والسورية قبل غيرها. فبينما كان المعلقون في إسرائيل وفي كل أنحاء العالم ما زالوا يندبون خسارة إسرائيل لتفوقها العسكري أو يعلنون ارتياحهم لتلك الخسارة، أدرك كل من الرئيسين المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد، بنظرة واقعية للأمور، أن بلديهما كادت أن تلحق بهما هزيمة أكثر مأساوية من هزيمة 1967، وأنه بات من الضروري أن يتجنبا الدخول في حرب أخرى مع إسرائيل. ونتيجة لهذا النوع من التفكير بادر السادات إلى السلام ووافق الأسد في عام 1974 على وقف إطلاق النار في هضبة الجولان، ومنذ ذلك الوقت لم ينتهك وقف إطلاق النار هناك.

من السهل أن نقرأ حرب 1973 بالتأمل في أحداث الماضي. لقد وقعت إسرائيل فريسة للمفاجأة بسبب إساءة تفسير المعلومات الاستخباراتية الجيدة في مناخ من الإفراط في الثقة التي بلغت حد الغطرسة. لقد اجْتيحت القطاعات الأمامية التي كانت متروكة بلا حراسة تقريباً، وكان المصريون قد وضعوا خطة حربية ممتازة وقاتلوا بكفاءة عالية، كما تقدمت الدبابات السورية بجرأة، فشنت هجماتها في موجة بعد الأخرى لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال بلا انقطاع. وفي غضون 48 ساعة بدا الأمر وكأن إسرائيل على وشك أن تتلقى هزيمة ثقيلة في كل من الجبهتين.

لكن بمجرد تعبئة قوات الدفاع الإسرائيلية بشكل كامل واستدعاء ألوية الاحتياط التي تشكل تسعة أعشار قوات الدفاع وإعدادها للانتشار والمشاركة في القتال، تمكن الجيش الإسرائيلي من وقف تقدم الجيشين المصري والسوري، وبدأ يتقدم على الفور تقريباً. وحين انتهت الحرب كانت القوات الإسرائيلية على بعد سبعين ميلاً من القاهرة، وأقل من عشرين ميلاً من دمشق. لكن صدمة الهجوم الأولي المفاجئ حجبت نجاح الجيش الإسرائيلي، هذا فضلاً عن المبالغة في ردود الأفعال العاطفية وصعوبة الرؤية بوضوح عبر ضباب الحرب.

كل ذلك يتكرر بحذافيره الآن فيما يتصل بحرب لبنان والمفاهيم الخاطئة الفادحة التي أعقبتها. لا ينبغي لأحد أن يندهش من قدرة أحدث القذائف المضادة للدبابات على اختراق أثقل الدبابات الحربية وأشدها حماية، لكن الدبابات الإسرائيلية نجحت بصورة كافية في تقليص الخسائر الإسرائيلية. وعلى نحو مماثل، سنجد أن الافتقار إلى الدفاعات ضد الصواريخ قصيرة المدى ذات الرؤوس الحربية الصغيرة أمر وارد ومنطقي، فهي ليست من القوة إلى الحد الذي يبرر إنفاق آلاف الملايين من الدولارات لإنشاء أنظمة الليزر الدفاعية التي يبلغ حجم الواحد منها مساحة ملعب كرة القدم.

وهناك أيضاً العديد من المفاهيم الخاطئة بالقدر نفسه من الوضوح. على سبيل المثال، بدلاً من تفنيد تباهي الشيخ حسن نصر الله بالنصر، راح العديد من المعلقين في أنحاء العالم كافة يكررون ويصادقون على مزاعمه بأن حزب الله قاتل بشجاعة لم ير أحد نظيراً لها من جنود القوات النظامية التابعة لجيوش الدول العربية في الحروب السابقة. ولكن في عام 1973 وبعد عبور قناة السويس تمكنت قوات المشاة المصرية من الحفاظ على مواقعها بكل ثبات وبلا أدنى قدر من الخوف في مواجهة الدبابات الحربية الإسرائيلية المتقدمة، وذلك على الرغم من أن تلك القوات كانت تقاتل في العراء تحت سماء الصحراء المفتوحة الممتدة بلا أي نوع من أنواع الغطاء أو الحماية التي توفرت لحزب الله في قراه المبنية بالحجارة في لبنان.

الحقيقة أن القوات الإسرائيلية كانت تفتقر إلى خطة حربية متماسكة، حتى أن أكثر عمليات القصف الإسرائيلي دقة بدت وكأنها عمليات تدمير وحشية (على الرغم من الردع الذي حققته والذي أكده عجز سورية عن التحرك). وعلى نحو مماثل، كانت العمليات الإسرائيلية الأرضية تتسم بالتردد والقصور من البداية وحتى النهاية. فقد كان من المفترض أن تعد القوات الإسرائيلية خطة طوارئ كاملة، تشتمل على خليط محنك من العناصر البرمائية والمحمولة جواً والاختراقات الأرضية للوصول بسرعة إلى ما وراء جبهة القتال ثم الارتداد إلى الخلف مع تدمير مواقع حزب الله واحداً تلو الآخر بداية من المؤخرة وعلى طول الطريق إلى الحدود الإسرائيلية، وهو ما لم يحدث قط.

لقد ظلت خطة الطوارئ على الرف بسبب عدم وقوع خسائر بين المدنيين الإسرائيليين. فقد افترض المحللون أن الصورايخ التي سيطلقها حزب الله بالآلاف في قصف مكثف، للتعويض عن عدم دقة توجيه تلك الصواريخ، سوف يسفر عن مقتل العديد من المدنيين، وربما المئات منهم في كل يوم. ولو كان ذلك قد حدث لكان من شأنه أن يبرر شن هجوم واسع النطاق تشارك فيه قوات مؤلفة من 45 ألف جندي، بل ويجعل منه ضرورة حتمية، فيعمل بالتالي كمسوغ سياسي لوقوع المئات من الضحايا نتيجة لمثل هذا الهجوم.

لكن حزب الله تمكن من توزيع صواريخه على ميليشيات القرى التي كانت بارعة في إخفائها عن الغارات الجوية، وتوفير الحماية لها ضد المدفعية، وحجبها عن أنظار طائرات الاستطلاع الإسرائيلية الموجهة بدون طيارين. إلا أن الميليشيات نفسها كانت عاجزة عن إطلاق هذه الصواريخ بفعالية في هجمات متزامنة ضد الأهداف نفسها.

وبدلاً من مئات القتلى بين المدنيين، كانت إسرائيل تخسر مدنياً أو اثنين يومياً. فحتى بعد ثلاثة أسابيع من الحرب، كان مجموع القتلى نتيجة للصواريخ أقل من مجموع القتلى نتيجة لتفجير انتحاري واحد. لهذا السبب أصبح من غير المقبول سياسياً شن هجوم من شأنه أن يسفر عن مقتل الجنود الشباب والرجال المسؤولين عن عائلات. والحقيقة أنه حتى الهجوم بمثل هذه الكثافة ما كان ليجهز على حزب الله، وذلك لأنه يمثل حركة سياسية تحمل السلاح، وليس مجرد جيش أو زمرة من المسلحين.

وللسبب نفسه بالتحديد، من المرجح أن تكون المحصلة النهائية لهذه الحرب أكثر إرضاءً مما يتصور العديد من المراقبين الآن. فعلى النقيض من ياسر عرفات الذي حارب من أجل فلسطين الخالدة وليس في سبيل الفلسطينيين الفعليين الذين كان على استعداد دائم للتضحية برخائهم وسلامتهم من أجل القضية، فإن حسن نصر الله يتمتع بجمهور من الأنصار السياسيين الذين يتركزون في جنوب لبنان.

فبعد أن قَـبِل المسؤولية ضمناً عن اندلاع الحرب، بادر نصر الله إلى توجيه جهود حزب الله نحو التركيز على إعادة بناء القرى والمدن حتى حدود إسرائيل. لقد أصبحت قاعدة قوة نصر الله الآن رهينة بسلوك حزب الله. فهو لا يملك الآن تحمل تكاليف الشروع في جولة أخرى من القتال، من شأنها أن تؤدي إلى تدمير كل شيء من جديد.

إدوارد ن. لوتواك خبير استراتيجي ومستشار عسكري، وهو كبير زملاء بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق