تهميش القضيّة الفلسطينية

تم نشره في الأحد 27 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

في ضوء الأحداث المفجعة التي شهدها لبنان، صارت القضيّة الفلسطينية قضيّة منسية على الرغم من أنّها القضيّة الأمّ في الشرق الأوسط، وعلى الرغم أنّه من دون ايجاد تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين لا أمل في أيّ نوع من الاستقرار في المنطقة. بالطبع لا بدّ ان يعود الجولان إلى سورية شرط أن يعتبر النظام السوري أن لديه، بالفعل وليس بالشعارات فقط، أرضاً محتلّة وأنّه يستطيع العيش في ظلّ حال أخرى، غير حال اللاحرب واللاسلم مع اسرائيل.

بعد الحرب التي شنّتها اسرائيل على لبنان، بات في الإمكان القول ان أحد الأهداف التي سعت اليها الدولة اليهودية، اذا وضعنا جانباً الرغبة الواضحة في الانتقام من لبنان، يتمثّل في تهميش القضية الفلسطينية. الواضح أنّ هناك من ساعد اسرائيل فيما تسعى اليه بتوفير المبررات لشن العدوان على لبنان في وقت كان مطلوباً أكثر من أيّ وقت توجيه الأنظار الى المأساة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني.

المؤسف أن قوى عدّة في المنطقة تبدو على استعداد لدعم التوجه الاسرائيلي الهادف الى تهميش القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية شعب يسعى الى استعادة حقوقه وازالة الاحتلال عن أرضه الى شعب لا يستأهل دولة مستقلة. لو لم يكن الأمر كذلك، لما شهدت غزّة في الأسابيع الأخيرة سلسلة من الأحداث المقلقة التي تصب كلّها في اتجاه واحد يتلخص بأنّ الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم. في أساس هذه الأحداث "فوضى السلاح" التي تشجّع عليها اسرائيل وهي علامة التراجع المستمر للقضيّة الفلسطينية العادلة.

في الامكان تجاوز قضية خطف الجندي الاسرائيلي في غزّة مطلع الشهر الماضي. يمكن تجاوز القضيّة على الرغم أنّها كلّفت الفلسطينيين الكثير حتى الآن خصوصاً أن الأوامر بتنفيذها جاءت من الخارج، ولم تأخذ في الاعتبار النتائج التي يمكن أن تترتب على عمل من هذا النوع. لقد بررت العملية خطف اسرائيل لعدد لا بأس به من اعضاء الحكومة والمجلس التشريعي الفلسطيني، بما في ذلك رئيس المجلس الذي لم يعد باستطاعته الردّ لدى مثوله أمام محكمة اسرائيلية سوى بالقول أنه بريء وأنه منتخب، أي أنّه شرعي. المفارقة أن لا أحد في العالم على استعداد لتصديق ذلك وتوجيه ولو رسالة لوم الى سلطة الاحتلال الإسرائيلية التي ضربت بعرض الحائط كل المواثيق والقوانين الدولية وتابعت ممارسة ارهاب الدولة في كلّ أنحاء غزّة وحتى في الضفّة الغربية متى شاءت ذلك.

ترتكب اسرائيل كلّ هذه الأعمال الأرهابية في الأراضي الفلسطينية، فيما أنظار العالم مركّزة على لبنان، وفيما يفعل الفلسطينيون كلّ ما من شأنه خدمة الاحتلال وتنفير العالم من قضيّتهم.

والواقع أنّ ما تشهده غزّة هذه الأيّام مخيف الى حدّ بات في الإمكان التساؤل كيف يستطيع الفلسطينيون ارتكاب كلّ هذه الأخطاء في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن؟ خلال أيّام، خُطف صحافيان أجنبيان في غزة وأعلنت جهة غير معروفة مسؤوليتها عن العملية وطالبت بعد ذلك باطلاق سجناء عرب ومسلمين في الولايات المتحدة. هل صارت غزة فجأة ساحة يسرح فيها تنظيم "القاعدة"؟ هل أفضل من عملية خطف الصحافيين العاملين في شركة "فوكس" الأميركية ، أحدهما نيوزلندي والآخر أميركي، لتنفيذ رغبة اسرائيل في الربط بين القضية الفلسطينية والحرب العالمية على الارهاب التي بدأت في الحادي عشر من أيلول 2001 والتي كان بين ضحاياها ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني؟

في اليوم الذي أعلنت الجهة غير المعروفة مسؤوليتها عن خطف الجنديين مثبتة أن لا سلطة فلسطينية في غزة بل فوضى السلاح، كان آلاف الفلسطينيين من أنصار "حزب التحرير" يتظاهرون في القطاع للمطالبة بالخلافة الإسلامية والغاء كل الاتفاقات التي توصّل اليها الجانب الفلسطيني مع اسرائيل.

هل هناك دليل أكبر من ذلك على مدى التدهور الذي تعرّض له الوضع في غزة بعد سنة على الانسحاب الاسرائيلي الأحادي الجانب من القطاع؟ ربما كان هناك دليل أفضل على تدهور الوضع من ذلك الذي تقدّمه تظاهرة "حزب التحرير" المحظور في معظم أنحاء العالم. انّه العلاقة السائدة بين الرئاسة الفلسطينية والحكومة التي تسيطر علها "حماس". إذ تتصرّف "حماس" الداخل مع الرئاسة كما لو أنّها مسؤولة عن الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني رافضة في الوقت ذاته الاعتراف بمسؤوليتها أو مسؤولية "حماس" دمشق أو طهران عن العزلة التي يعاني منها الجانب الفلسطيني.

بلغت العزلة حدّاً لم يعد في العالم من يتحدّث عن قضيّة الشعب الفلسطيني الاّ من الزاوية الانسانية! لم تعد القضيّة، بفضل النجاحات التي حقّقتها "حماس" منذ تشكيل حكومتها سوى قضية جائعين، بدل أن تكون قضيّة شعب رازح تحت الاحتلال يسعى الى تحقيق طموحاته الوطنية المشروعة.

يا لها من مأساة بعدما تحوّل الشعب الفلسطيني وقوداً في لعبة التجاذبات الاقليمية التي لا مصلحة له فيها لا من قريب أو بعيد. هل في استطاعة وزير فلسطيني أو رئيس الوزراء الوقوف والقول أن كفى تعني كفى، وأن الشعب الفلسطيني يرفض أن يكون ضحية لعبة المتاجرة به؟ لن يتجرّأ اسماعيل هنيّة أو غيره في "حماس" على ذلك. كلّ ما في الأمر أن القضية الفلسطينية في تراجع مستمرّ.

اليوم لبنان في الواجهة. غداً يعود العراق الى الصفحات الأولى في حال لم يسبقه اليها الملف النووي الإيراني. متى تعود فلسطين الى الاهتمام العالمي؟ الأكيد أن علينا الانتظار طويلاً ما دامت حكومة "حماس" عاجزة حتى عن العثور على صحافيين خطفا في غزّة، وما دام رئيس الوزراء يكتفي بتوجيه نداء من أجل اطلاقهما، وكأنّ لا وجود لشيء اسمه السلطة الوطنية الفلسطينية.

ما هذه الحركة التي تخصصت في وضع العراقيل أمام الرئاسة الفلسطينية جاعلة نفسها من حيث تدري أو لا تدري في خدمة حكومة اسرائيلية ترفع شعار عدم وجود طرف فلسطيني يمكن التفاوض معه!

كاتب لبناني

التعليق