ياسر أبو هلالة

"لا استطيع ان أطلق النار على الأطفال الصغار"

تم نشره في السبت 26 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

أصحاب الحس المرهف -المزيف غالبا- المعترضون على نشر صور الضحايا في الإعلام عليهم أن يدققوا في ما فعلته الصور من هزة في الضمير الإنساني. فصور المجازر، وخصوصا الأطفال الضحايا، من حديثة إلى غزة وصولا إلى قانا، لم تدفع جنديا بريطانيا إلى رفض الخدمة في العراق، بل كان خياره أبعد.

ربما خشي الفتى، ابن التسعة عشر عاما، أن يتهم بالجبن إن رفض الخدمة، فاختار أصعب قرار من الممكن أن يتخذه إنسان: "لا استطيع الذهاب للعراق... ولا قتل الاطفال". وتلك الكلمات كانت آخر ما قاله جندي بريطاني قبل ان ينتحر!

الجندي جيسون تشيلسي (19 عاما) قطع شريان رسغه بعد ان تناول جرعة كبيرة من المسكنات، قبل ايام من ترحيله الى العراق، حيث قتل 115 جنديا بريطانيا منذ العام 2003. ونقلت الاندبندنت عن والدي تشيلسي انه قبل انتحاره كان يشعر بقلق شديد بسبب ما قاله له قادته، من انه قد تصدر إليه اوامر بإطلاق النار على الاطفال الانتحاريين في العراق.

مسكينة أم الجندي، فهي ليست مثل نساء العالم العربي والإسلامي المعتادات على فقد الأطفال والشباب في عمر الزهور. فالجيش في الغرب ليس للدفاع عن الوطن ولا لاسترداد أرض سليبة، بل هو وظيفة مثل العمل في مطعم. ومن يذهبون للعمل فيه، وخصوصا الجنود، هم في ذيل السلم الاقتصادي.

ليس المطلوب أن تطوي الأم أحزانها، بل المطلوب هو أن تحول الحزن إلى طاقة تعمل على منع قتل الأطفال، ومنع القتل عموما. وتستطيع أن تفعل مثل ساندي شيهان الأميركية، التي قتل ابنها في العراق، فغدت أبرز الناشطات لوقف الحرب.

قال الجندي لوالدته وهو يحتضر "لا استطيع ان اطلق النار على الاطفال الصغار، لا استطيع ان اذهب الى العراق. لا يهم مع اي فريق يقف هؤلاء الاطفال".

قرار خاطئ اتخذه الفتى، لكنه يعبر عن إنسانية حقيقية. فقد اختار أن يقتل نفسه على أن يقتل أطفالنا؛ اختار أن يصرخ بصوت أعلى من التظاهرات المليونية التي ملأت شوارع لندن احتجاجا على الحرب؛ اختار أن يؤشر على أبشع صور المأساة.

صحيفة الاندبندنت قدمت قائمة بأسماء الجنود البريطانيين الذين انتحروا منذ بداية الحرب في العراق، واوضحت انه كانت هناك 5 حالات انتحار، اولها في حزيران 2004 عندما شنق الجندي جاري بوزويل (20 عاما) نفسه بالقرب من منزله بإنجلترا بعد عودته من العراق لقضاء اجازة. وفي تشرين الاول 2004 اطلقت الجندية دينيس روس (34 عاما) النار على نفسها داخل معسكر للقوات البريطانية في البصرة. وفي كانون الاول 2004 اطلق الجندي بول كونولي (33 عاما) النار على نفسه في معسكر للجيش البريطاني في البصرة ايضا. وفي تشرين الاول 2005 شنق الضابط كين ماسترز (40 عاما) نفسه داخل مكتبه في البصرة. وفي اذار 2006 اطلق الجندي مارك كريدج (25 عاما) النار على نفسه في منطقة هلمند بأفغانستان.

هؤلاء لن يؤثروا في قرار رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، فهو ماض في سياسته التابعة للرئيس بوش حتى النهاية. ولأنه في ولايته الأخيرة، لا يبدو حريصا على شعبية حزبه التي تهاوت. كما أن ليس له رصيد أخلاقي حتى يحافظ عليه. لكن الشعب البريطاني يظل من أنضج الشعوب الغربية، ومن الممكن أن ينجح في تغيير بوصلة السياسة البريطانية من العداء للعرب والمسلمين إلى صداقتهم. وإذا ما تمكن البريطانيون من إخراج جيوشهم من البلاد العربية والإسلامية تكون دماء المنتحرين لم تذهب هدرا.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق