د.باسم الطويسي

العرب وإيران والتفاحة الكبيرة

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

لم تتغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، كما توقع واعلن الكثيرون مع بدايات الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان، وجاء الرد الإيراني على صفقة التطمينات الأوروبية بشأن ملفها النووي في سياق هذا الاستنتاج، ما يعيد إنتاج دبلوماسية التفاوض وشراء الوقت.

ومع توقع ازدياد الضغوط الدولية حول مستقبل الملف النووي الإيراني، وازدياد تفاقم الأوضاع الأمنية في العراق وفشل خطة امن بغداد، وتوالي الحشد الدولي الداعي إلى نزع سلاح حزب الله؛ فإنّ هذه المعطيات تجعل استمرار القواعد التقليدية في إدارة الملفات الإقليمية بحاجة إلى لغة سياسية جديدة تدير حوار المصالح وتنظم التفاعلات التعاونية والصراعية أيضا بين الأطراف الإقليمية قبل غيرها.

لقد جربت السياسة الإيرانية أدوات الدبلوماسية طويلة النفس كافة في إدارة صراعها ومصالحها مع الغرب، بكفاءة لا ينكرها احد خلال ثلاث سنوات مضت، واستخدمت بذكاء غامض ما يسمى باستراتيجية (الشجرة الغبية) ومفادها في قصة رمزية حول شجرة تقوم بحماية ثمارها بدرجة عالية من الشراسة في النهار إلا انها تتخلى عن ثمارها تحت جنح ظلام الليل؛ ظنا منها ان لا احد يدري عنها، بينما رجل الغابة الأعزل الذي لا يملك إلا حق البقاء والحكمة ينتظر حلول الليل حتى يحصل على الثمار بدون عناء أو مشقة، وبينما مارست الولايات المتحدة دور "الشجرة الغبية" التي تترك ثمارها في الليل، مارست إيران دور رجل الغابة الحكيم، على حد تعبير مصطفى العاني، فجنت بكل سهولة ثمار السياسات الاميركية في الشرق الأوسط وتنتظر في هذا الوقت قطاف التفاحة الكبيرة.

عاد الملف النووي الإيراني، والحديث عن القوة الإيرانية الإقليمية بعد الانكشاف الاستراتيجي العربي باحتلال الولايات المتحدة للعراق، وعلى الأغلب جاء الحصاد الإيراني للشجرة الاميركية الذكية أو الغبية على حد سواء الذي مكنها طوال هذه السنوات من الصمود ومواجهة الضغوط الغربية على حساب قضايا عربية في العناوين الرئيسة وفي التفاصيل أيضا. وبينما ماتزال إيران تلهث إلى هذه اللحظة في جميع أنحاء العالم بحثا عن حلفاء أو الوقوف على خطوط التناقضات بين الدول ومنظومات القوى السياسية والاقتصادية.

وفي الوقت الذي لاعبت فيه إيران القوى العظمى بالبيضة والحجر، كما يقال، فإنها لم تلتفت إلى فتح حوار حقيقي مع العالم العربي بعيدا عن علاقاتها بحوزات سياسية بعينها تتهم عادة بالتبعية والتحالفات الأيديولوجية. بل ان السياسات الأخيرة التي حاولت اختراق الشارع العربي عُدّت من قبل نخب عديدة ومجتمعات مدنية، قبل الأنظمة الحاكمة، بأنها تدخلات في الشؤون العربية الداخلية.

لقد غابت المبادرات الحقيقية المتبادلة بين إيران، بوصفها الواقعي قوة إقليمية صاعدة بقوة وتواجه تحديات كبيرة، وبين جوارها الإقليمي الكبير المتضرر أحيانا والمتأثر بشكل أو آخر نتيجة ما تتبعه من سياسات تكفل استمرارها بحمل هذا الطموح. في المقابل دخلت إيران في حوار مع الولايات المتحدة بشأن العراق.

هناك أسباب وخلفيات عديدة منعت أو أخرت الحوار الاستراتيجي العربي- الإيراني، بعضها يرجع إلى العرب أنفسهم وبعضها الآخر يرجع إلى إيران وأجندات الدول الكبرى. لكن يبدو الوقت حاليا أكثر تهيؤا إلى حوار استراتيجي عربي إيراني باللغة جديدة يتيح تبادل المصالح ويقلل حدة التفاعلات الصراعية. وقريبا سيتضح لإيران انه لا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية في ركوب الأحصنة العربية المتعبة للوصول إلى أهدافها، من دون الوصول إلى توازنات جديدة، فالشعوب يمكنها استهلاك الكلام والشعارات إلى يوم الدين، لكن لا يمكن لها ان تبقى إلى الأبد تراهن على مستقبلها بالاتكاء على هذه اللغة.

الأوراق التي تحاور عليها إيران في ملفها النووي وغيره عربية بالدرجة الأولى. والعرب واقعيا لا مشكلة لديهم في ان تملك إيران قدرات نووية، وأيضا لا مشكلة لديهم بان تصبح إيران قوة إقليمية، ولا يوجد لديهم نوايا لمشروع سني جديد إلا إذا وجدوا أنفسهم في مواجهة توظيف مذهبي للطائفية يهدد وجودهم، حيث اتاح التراجع العربي وضعف القدرات الذاتية والاندماج في سياسات الهيمنة الدولية في وقوع أوراق عربية عديدة في اليد الإيرانية بدءا من امن الخليج العربي وارتهان مستقبل العراق، وصولا إلى تعاظم نفوذ إيران في لبنان وفلسطين وأخيرا السودان.

في هذه الأجواء؛ على الأطراف العربية ان تصل إلى قناعة بأن من حق إيران ان تصبح قوة إقليمية ومن حقها ان تستخدم الوسائل والأدوات التي تحقق لها هذا الطموح، الذي بات يتحقق بالفعل، وعلى العرب أيضا الاعتراف واقعياً بان إيران طرف أصيل في المنطقة وبوارجها العسكرية في الخليج العربي موجودة قبل ان تكتشف أميركا ذاتها، وعلى إيران ان تصل إلى قناعة بان شرعية دورها الإقليمي وفعاليته لن تتحقق دون الوصول إلى تفاهمات الحد الأدنى مع الطرف العربي المتمثل بالتحديد في مصر ودول المشرق والخليج العربي، وعليها ان تدرك ضعف الرهان على الشارع العربي المعجب بأحلام الطموح النووي وبالاستعراضات العسكرية والأسلحة التي طالما جربت بالجسد العربي قبل غيره.

الآفاق واسعة لمبادرة الإيرانية تعيد صياغة المنطقة تبدأ بالحوار حول العراق وتنتهي بأجندة جدية وواقعية لإنهاء الاحتلال الأميركي وتصفية كل أسباب استمراره التي تعلمها طهران جيداً، وعلى رأسها المليشيات المدعومة من قبلها؛ فالتغير الحقيقي لقواعد اللعبة يبدأ بالعراق بانتهاء الاحتلال الأميركي الذي يدير الفوضى والحرب الأهلية التي لا تخدم سوى المصالح الإيرانية حيث تستثمر هذه الفوضى في مواجهة التهديدات الخارجية.

إيران قادرة اليوم على التوافق مع أطراف عربية لإنهاء قصة الميليشيات المسلحة في العراق، وعلى وقف الفوضى والحرب الأهلية والحفاظ على وحدة العراق، وبالتالي إنهاء الاحتلال. وإيران قادرة اليوم، بالتوافق مع أطراف عربية، على حسم الصراع حول مستقبل لبنان لمصلحة الدولة والوطن اللبناني، وقادرة على المساهمة الايجابية في امن الخليج، وكل ذلك إذا وجد القبول العربي المطلوب الذي سيوفر لها المناخ الملائم لإنضاج تفاحتها الكبيرة الثمينة.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق