السياسة الخارجية اليابانية: بين استحفاق الجغرافيا وذاكرة التاريخ

تم نشره في السبت 19 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

مرة أخرى تثور المظاهرات في الصين وفي كوريا الجنوبية معارضة لزيارة رئيس الوزراء الياباني جوناتشيروا كويزومي السنوية لصرح ياسكوني. إن إصرار كويزومي على تكريم موتى المقابر في ياسكوني ومن بينهم مجرمو الحرب العالمية الثانية يؤثر سلبا على علاقات اليابان مع جيرانها عبر السنين. وبالفعل يؤكد الرئيس الصيني هو جينتايو، وبشكل مستمر، على أنه لن يعقد أي قمة مع رئيس وزراء ياباني يزور ياسكوني، الأمر الذي يعتبره معظم الصينيين علامة تمجيد للماضي العدواني والاستعماري لليابان.

حتى أن البعض في اليابان بدأ بانتقاد تصرفات كويزومي، إذ على الرغم من بقاء العامة على موقفهم السلبي من ثورات الغضب الصينية المعادية لليابان؛ إلا أن دراسة حديثة أظهرت أن أكثر من 70% من اليابانيين يعتقدون بأن العلاقات اليابانية الصينية غير مقبولة. ويوماً بعد يوم يزداد عدد الأصوات المعارضة لحج كويزومي السنوي لياسكوني، ويندرج ضمن هذه الأصوات سبعة من رؤساء الوزراء السابقين مجتمعين يطالبون كويزومي بالإحجام عن زياراته السنوية.

ومع هذا كله يستمر كويزومي إمعاناً في التحدي. وعلاوة على ذلك، صرح سكرتير مجلس الوزراء شينزو إب، المرشح الأول لخلافة كويزومي بأنه سيستمر في زيارة الضريح في حال أصبح رئيساً للوزراء. لا بل زاود عليه وزير الخارجية الأسبق تيرو آسو - مرشح آخر لخلافة كويزومي- حين دعا الإمبراطور الياباني للصلاة في ياسكوني.

يبدو التشاؤم مخيماً على الأجواء نتيجة لذلك، وتزداد الورطة في ياسكوني عمقاً، ولكن يمكن للماضي أن يكون يقدم غير المشاكل من هذا النوع، وحتى بالنسبة لموضوع ياسكوني، هناك بعض الدروس الإيجابية التي يمكن تعلمها من الماضي.

وإذا نظرنا إلى ياسهيرو ناكيسوني، سلف كويزومي في الثمانينيات، لوجدنا أن الرجلين سياسيان ماهران يتمتعان بشعبية ممتازة، وخدما في مراكزهما لفترات طويلة، وهما أيضا من المحافظين الوطنيين، المؤيدين لإعادة النظر في الدستور والمؤيدين أيضا لدور سياسي وعسكري لليابان أكثر فعالية في الخارج. وفي النهاية هما أيضا من المؤيدين لسياسات الولايات المتحدة، وخصوصاً بتصريح ناكيسوني العلني بأن اليابان هي "حاملة الطائرات الأميركية غير القابلة للغرق" في شرق آسيا، وبإرسال كويزومي للقوات اليابانية إلى العراق بدعم مباشر لجهود الولايات المتحدة المؤدية إلى الحرب.

ولكن غالباً ما يهمل الفارق الرئيسي بين الاثنين؛ والذي يتمحور في طريقة تعاملهما مع قضية ياسكوني المثيرة للجدل ومع العلاقات مع الصين.

لقد حطم ناكيسوني التابو عندما كان أول رئيس وزراء ياباني يزور صرح ياسكوني رسمياً في 15 من آب عام 1985 في الذكرى الأربعين للحرب العالمية الثانية. زيارة أشعلت ردود فعل حادة في الصين حيث ثار الطلاب في مظاهرات معارضة لهذا الفعل الأمر الذي أدى إلى تجميد العلاقات المتبادلة بين البلدين.

وبدلا من التجاوب مع الامتعاض الداخلي من الانتقاد الصيني، قرر ناكيسوني أن لا يعيد الزيارة لياسكوني وغلب خيار إصلاح العلاقات مع الصين مركزاً على الجوانب الإيجابية للروابط المتبادلة بين البلدين.

وفي عام 1986 قام ناكيسوني بزيارة بكين بدعوة خاصة من السكرتير العام للحزب الشيوعي الحاكم "هو يايوبانغ" واضعا حجر الأساس لمركز التبادل الشبابي الصيني الياباني سينو جابانيز (Sino-japanese)، واعداً باستمرار دعم علاقات الصداقة مع الصين.

لقد أمن هذا الاعتناق الأصيل للمصالحة والتسامح الدعم لحاجة القادة الصينيين، المتلهفين لضبط المشاعر المعادية لليابانيين، أما "هو" من جانبه فقد أطرى على شجاعة ناكيسوني ونبّه الشباب الصيني علناً بأنهم "إذا فكروا بمصلحة بلدهم بشكل مجرد... فإنهم لن يكونوا وطنيين متوازنين حقاً" .

خرج ناكيسوني من الأزمة بمهارة رجل الدولة القادر على إدارة دبلوماسية اليابان مع الصين ولم يكن هناك أي اتهام لشخصه بأنه باع نفسه لبكين، ولم تتعرض مصداقيته أو وطنيته للتشكيك. سلسلة الأحداث هذه أظهرت أن سياسة كويزومي المعاندة ليست الخيار الوحيد. فمن الممكن أن يتحلى رئيس وزراء اليابان بالقوة من دون استغلال الامتعاض الداخلي لدول الجوار والحفاظ على وطنيته ودعمه للسياسة الأميركية بينما يحافظ على علاقات عمل طيبة مع الصين. وبالفعل إن التوقف عن الزيارات المثيرة للجدل لياسكوني سيفتح على الأرجح الباب للقمة اليابانية الصينية المتأخرة عن ميعادها والتي في المقابل يمكن أن تقوي الأصوات المعتدلة في الصين المطالبة بعلاقات موجهة نحو المستقبل مع اليابان.

للأسف يبدو كويزومي وحلفاؤه غير مستعدين للمسير قدماً نحو تجاوز مسألة ياسكوني، وينعكس هذا الأمر جلياً في تصريح "آسو" وزير خارجيته مؤخرا: "كلما علت الأصوات الصينية المعارضة ازدادت رغبة المرء بالذهاب إلى ياسكوني، إنها كمن يقول لك لا تدخن، فتزداد رغبتك بالتدخين".

لا أحد يتوقع من القادة الصينيين واليابانيين أن يتعانقوا كما فعل ناكيسوني وهو قبل عقدين من الزمان، ولكن من المحزن بمكان على مستوى العلاقات الدولية أن نرى قادة عمالقة متجاورين يتظاهرون بعدم وجود بعضهم البعض أثناء اللقاءات الدولية. وإذا كان ناكيسوني يحث كويزومي الآن على وقف حجه السنوية لياسكوني، فإن عليه أن يرد على آسو، مستخدماً تشبيهه ولغته نفسها بالقول: "أنه من غير مصلحة اليابان الوطنية الاستمرار بالتنشق السلبي للدخان المنبعث من سيجارة الرئيس كويزومي".

وانران جانغ: مدير المعهد الصيني في جامعة ألاباما وهو عضو مؤسس في مؤسسة آسيا الباسيفك الكندية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجكت سينديكيت

التعليق