ترويض كوريا الشمالية

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

إن النار المستعرة في الشرق الأوسط الآن لا ينبغي أن يُسمح لها بتحويل انتباه العالم عن التهديد الذي تفرضه كوريا الشمالية بطموحاتها النووية، وهي الطموحات التي أظهرتها بوضوح باختبارها الأخير لصاروخ بعيد المدى. إلا أن من الواضح أن هذا هو ما يحدث على أية حال.

ففي منتصف شهر يوليو/تموز انتهى اجتماع قمة سانت بطرسبرغ إلى مطالبة كوريا الشمالية بالتوقف عن اختبار الصواريخ والتخلي عن برنامجها الخاص بتصنيع الأسلحة النووية. وفي أعقاب ذلك أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يدين إطلاق كوريا الشمالية لعدد من الصواريخ في الخامس من يوليو/تموز، وطالبها بالعودة إلى طاولة المفاوضات، كما طالب القرار الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بحظر الواردات والصادرات لأي مواد أو أموال مرتبطة بالبرامج الكورية الخاصة بتصنيع الصواريخ أو الأسلحة غير التقليدية. ثم أكد الرئيس الصيني هيو جينتاو على ضرورة إحراز تقدم على مسار المحادثات المعطلة "حتى تصبح شبه الجزيرة الكورية بالكامل خالية من السلاح النووي". ولقد بدا كل ذلك وكأنه تقدم دبلوماسي ملموس، إلا أن التحرك إلى الأمام في هذا السياق كان أقل مما قد يبدو للعيان.

أثناء ولايتها الأولى كانت إدارة بوش تتصور أنها قادرة على التوصل إلى حل للمشكلة النووية الخاصة بكوريا الشمالية من خلال تغيير النظام هناك. وكان الأمل يتخلص في أن تؤدي العزلة والعقوبات إلى إسقاط نظام الدكتاتور كيم جونج إل . لكن النظام أثبت قدرته على المقاومة، وفي النهاية وافقت إدارة بوش على المشاركة في المحادثات السداسية إلى جانب الصين، وروسيا، واليابان، والكوريتين.

في شهر سبتمبر/أيلول 2005 بدا لوهلة أن المحادثات قد انتهت إلى اتفاق عام يقضي بتخلي كوريا الشمالية عن برنامجها النووي في مقابل ضمانات أمنية ورفع العقوبات. لكن ذلك الاتفاق غير المحكم سرعان ما انهار، ورفضت كوريا الشمالية العودة إلى المحادثات قبل أن تكف الولايات المتحدة عن إغلاق الحسابات المصرفية المشكوك في استخدامها في غسل الأموال لصالح نظام كيم . وظلت العملية الدبلوماسية معطلة إلى أن أطلقت كوريا الشمالية سلسلة من الصواريخ إلى بحر اليابان في شهر يوليو/تموز. ونادت اليابان بفرض عقوبات من قِـبَل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبعد عشرة أيام من المجادلات والمشاحنات وافقت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن على صيغة قرار يدين تصرفات كوريا الشمالية.

ولكن ما الذي دفع كوريا الشمالية إلى المجازفة بالإقدام على خطوة شكلت تحدياً للصين، الراعي الرئيسي لها، وتسببت في إصدار ذلك القرار عن الأمم المتحدة؟ أظن أن جزءاً من الأسباب التي دفعتها إلى ذلك يتلخص في الحوافز السخية التي عرضتها القوى العظمى على إيران في مقابل التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم، بينما أحيلت كوريا الشمالية إلى مسار دبلوماسي ثانوي. لكنها أيضاً أقدمت على هذه الخطوة لأن مثل هذه المجازفة أثبتت نجاحها في الماضي، وهنا ربما تصور كيم أن المجازفة بسيطة ومحسوبة.

كما يدرك كيم أن الأطراف الخمسة الأخرى في المحادثات السداسية تعاني من انقسام واضح. فعلى الرغم من أن الأعضاء الخمسة لا يرغبون في كوريا شمالية نووية، إلا أن الصين وكوريا الجنوبية تبديان قدراً من الاهتمام باستقرار النظام في كوريا الشمالية أكبر مما تبديه الولايات المتحدة واليابان.

فضلاً عن ذلك فإن الرأي العام في كوريا الجنوبية منقسم بشأن كيفية التعامل مع الشمال، لكن الأغلبية تخشى أن يؤدي انهيار النظام هناك على نحو مفاجئ إلى آثار مأساوية على الاقتصاد في الجنوب. والحقيقة أن كثيراً من مواطني الجيل الأحدث سناً في كوريا الجنوبية لا يتذكرون الحرب الكورية بصورة مباشرة. وعلى هذا فإن سياسة كوريا الجنوبية التي أطلق عليها "سياسة الشمس المشرقة"، والتي ترمي إلى الاندماج الاقتصادي مع الشمال، تلقى قبولاً من الأغلبية في الجنوب.

وعلى نحو مماثل، نجد الصين في ظل تركيزها على النمو الاقتصادي، تخشى أن يؤدي انهيار النظام في كوريا الشمالية إلى تهديد الاستقرار على حدودها معها. ومن هنا، فعلى الرغم من الضغوط التي تمارسها الصين على كوريا الشمالية من حين إلى آخر لإرغامها على التخلي عن برنامجها لتصنيع الأسلحة النووية، إلا أنها لا ترغب في ممارسة ضغوطها الاقتصادية على كوريا الشمالية إلى الحد الذي قد يهدد النظام هناك.

أما إدارة بوش فبعد أن أدركت أن محاولاتها لتغيير النظام تتقدم على نحو أبطأ مما كان متوقعاً، وأن الوقت أصبح في صالح كيم ، فقد باتت في مواجهة ثلاثة خيارات فيما يتصل بالتعامل مع قضية الأسلحة النووية في كوريا الشمالية. فهي إما أن تلجأ إلى القوة، ولقد أكد بعض المسؤولين أن كوريا الشمالية إذا ما شنت حرباً رداً على ضربة جوية أميركية محدودة، فلسوف يخسر كيم نظامه. وعلى هذا فليس من المرجح أن ترد كوريا الشمالية بشن حرب.

ولكن ليس من المرجح أن تؤدي ضربة جوية إلى تدمير المنشآت المخفية في كوريا الشمالية، والتي تتضمن ما يزيد على عشرة آلاف قطعة مدفعية مدفونة في كهوف على طول المنطقة منزوعة السلاح، وقد ترد كوريا الشمالية ببساطة بقصف مدينة سيئول فتؤدي بذلك إلى تدمير اقتصاد كوريا الجنوبية. ولهذا السبب كانت المعارضة الشديدة من جانب كوريا الجنوبية، ومعها الصين، للتفكير في غارة جوية تشنها الولايات المتحدة على كوريا الشمالية.

أما الخيار الثاني فيتلخص في فرض المزيد من العقوبات. ويرى بعض المسؤولين في إدارة بوش أن العقوبات الاقتصادية حتى لو لم تسفر عن إسقاط النظام في كوريا الشمالية، فقد ينتج عنها قدر من التنغيص الذي قد يكون كافياً لإرغام كيم على التخلي عن برامج تصنيع الأسلحة النووية. كما يشيرون إلى نجاح الجهود الرامية إلى إغلاق الحسابات المصرفية ومنع الصفقات غير القانونية، والمبادرة الأمنية لمنع انتشار الأسلحة، التي وافقت الدول الأخرى بموجبها على الامتناع عن نقل وتداول المواد النووية.

لكن نجاح هذه الجهود يتوقف على الصين، فقد امتنعت كوريا الجنوبية والصين عن المشاركة في المبادرة الأمنية لمنع انتشار الأسلحة. فضلاً عن ذلك فقد هددت الصين في خضم المشاحنات التي دارت بشأن قرار الأمم المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) إذا ما ورد في القرار أية إشارة إلى المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تبيح استخدام القوة في فرض القرار. ومع علم كيم بأن الصين لن تسمح بعقوبات مفرطة القسوة، فليس من المرجح أن يتخلى عن تفوقه النووي.

بهذا لا يتبقى سوى الخيار الثالث، والذي يتلخص في المساومة الدبلوماسية، والتي يشترط كيم لإتمامها الدخول في محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة، والحصول على ضمانات أمنية، علاوة على حوافز اقتصادية كتلك التي عرضت على إيران. وكان بوش قد سمح لممثله في المحادثات السداسية أن يلتقي بممثلي كوريا الشمالية على انفراد في إطار المحادثات السداسية، لكنه فشل في تقديم الحوافز الكافية.

ونظراً لما اشتهرت به كوريا الشمالية من براعة في الخداع، علاوة على صعوبة التحقق من إزالة المنشآت النووية في بلد يحكمه نظام استبدادي، فلسوف يكون من الصعوبة بمكان التوصل إلى اتفاق يمكن التحقق من التزام الأطراف كافة به. ولكن إذا ما وضعنا في الاعتبار المخاطر المترتبة على الخيارين الآخرين، فلسوف يكون من الحكمة أن تبدأ الولايات المتحدة في التفكير في عرض دبلوماسي جديد.

جوزيف س. ناي نائب وزير دفاع الولايات المتحدة الأسبق، وهو من الأساتذة البارزين في العلوم العسكرية ومؤلف كتاب "القوة الناعمة: السبيل إلى النجاح في عالم السياسة الدولية".

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق