منار الرشواني

حرب إعادة إعمار لبنان

تم نشره في الأحد 6 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

في مقابلته مع محطة الجزيرة قبل أيام، وتعليقا على وصف بعضهم لما قامت به حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان بأنه "تضييع للأوطان"، كان رد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بأنه في حالة فلسطين فإن الوطن ضائع أصلا، أما في حالة لبنان، فإن المقاومة هي من قام بالتحرير. وهكذا يبدو تبرير مشعل في الحالة اللبنانية تحديدا أقرب إلى القياس على القاعدة الشرعية "من أحيا أرضا مواتا فهي له".

غير أن محاكمة صادقة لمثل هذا التبرير، وفي الحالة اللبنانية أيضا، تفرض طرح سؤالين جوهريين، أولهما؛ ما إذا كان حزب الله قد حرر كل لبنان "وحده" وليس الجنوب فقط؟ أما السؤال الثاني؛ فهو أنه مع الإقرار بتقدم الحزب لصفوف اللبنانيين لتحرير الجنوب، فهل حرره منفردا دون دعم لبنان كله، ودون تضحيات شعبه من الشمال إلى الجنوب؟ وبغض النظر عن الإجابة التي تبدو واضحة عن هذين السؤالين، يبدو ممكنا القول إن تفسير خالد مشعل يكاد يكون قناعة حزب الله التي لا يخالجها شك، الأمر الذي يفسر إقدام الحزب على تنفيذ عملية "الوعد الصادق" دون معرفة سابقة من الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها هو ذاته.

المقدمة السابقة ليست بأي حال من الأحوال محاولة لإلقاء اللوم على حزب الله؛ إذ إن ذلك ليس حديثا لا طائل من ورائه فحسب، بل هو مرفوض قطعا فيما تستعر نيران الحرب التي تستبيح لبنان كله، وتقوم إسرائيل من خلالها بتدمير بنية هذا البلد التحتية بشكل يومي، وارتكاب مجازر متتالية بحق مدنيّيه ونسائه وأطفاله وشيوخه، بصورة لا يمكن تفسيرها أو تبريرها إلا بشهوة التدمير وسفك الدماء. إنما أهمية الحديث السابق تبدو في استعادة الدول العربية زمام الأمر في الحرب القادمة مباشرة بعد وقف العدوان الإسرائيلي، والتي لا تقل أهمية عن الحرب الحالية؛ بل إن الحرب القادمة هي التي قد تكون حاسمة في حماية لبنان من أي عدوان إسرائيلي آخر، وحماية استقلال وسيادة هذا البلد بشكل عام.

حرب ما بعد العدوان المقصودة ليست سوى حرب إعادة إعمار لبنان مرة أخرى. وبكثير من الثقة، يمكن القول إن هذه الحرب هي المرحلة المفصلية ليس فقط في تحديد مستقبل لبنان ووجهته وهويته، بل وكذلك في تحديد موقع العرب ودورهم في الصراع الإقليمي والدولي الدائر على منطقتهم وفيها.

في حديثه المتلفز في 16 تموز الماضي، طالب الشيخ حسن نصرالله اللبنانيين بـ"عدم القلق على إعادة إعمار منازلهم وبنيتهم التحتية"، ذلك أن لدى الحزب، كما قال، "أصدقاء" سيدعمون لبنان في إعادة الإعمار "بدون شروط سياسية". ومفهوم تماما أن هؤلاء "الأصدقاء النبلاء" هي إيران أساسا، في مقابل الولايات المتحدة صاحبة "الشروط السياسية"، ولتظهر هنا مقولة أن "من يحرر الأرض أو يعمرها ويبنيها يملكها" أكثر أهمية وخطورة، بالنسبة للبنان أولا، وللعرب بشكل عام بالنتيجة، وباعتبار هذه المقولة-الحقيقة فرصة بقدر ما هي تحد.

فنتيجة للعجز العربي عن فعل أي شيء لوقف العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان، يبدو مصير لبنان اليوم وكأنه محكوم بأحد خيارين: إما أن يكون إيرانيا، أو أن يكون أميركيا-إسرائيليا. ومن ثم، فإن أهمية مرحلة الإعمار القادمة هي من حقيقة كونها فرصة لاستعادة لبنان العربي، والتعويض عن الموقف العربي تجاهه خلال مرحلة العدوان، وكذلك تدارك النتائج الخطيرة، الكامنة ربما حتى الآن، لهذا الموقف على الصعيدين الداخلي والخارجي.

والاستراتيجية العربية في حرب إعمار لبنان يجب أن تكون ابتداء حقيقية وواضحة وفاعلة بتزويدها بكل الاحتياجات المطلوبة، بحيث تشمل كل ركن وزاوية امتد إليها العدوان من دون استثناء، كما المناطق التي كانت مهمشة قبل ذلك وإن لم يطلها القصف والتدمير الإسرائيليين. ومن ناحية أخرى، وبالأهمية نفسها، يجب أن يقدم الدعم العربي مباشرة إلى الحكومة اللبنانية، باعتبارها الممثل الوحيد للشعب اللبناني والقادر على النهوض بأعبائه، من دون الحاجة إلى طرف ثالث أيا من كان، من داخل لبنان أم من خارجه، عربيا كان أم غير ذلك، لأن ذلك أيضا هو ضمان لتوحد لبنان ما بعد العدوان كما خلاله.

شاء العرب أم أبوا، فإن المعركة الحالية على أرض لبنان هي جزء من حرب هوية ومستقبل على مستوى المنطقة ككل، والصراع على إعمار لبنان قد يكون نقطة تحول في مسار هذه الحرب، إن أدار العرب هذا الصراع بكفاءة وبعد نظر.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق