الصندوق الذي غيّر العالم

تم نشره في السبت 29 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

يبلغ طولها أربعين قدماً، وارتفاعها حوالي 8.5 إلى 9.5 أقدام، وعرضها ثمانية أقدام، وتستطيع أن تستوعب 29 طناً داخل مساحتها المتاحة والموصى بها والتي تبلغ 2000 قدم مكعب، تحتوي على بضائع قد تبلغ قيمتها حوالي 500 ألف دولار أميركي (أو ما يزيد) حين تباع بسعر التجزئة. ومن الممكن أن يتم تصديرها، هي وما تحتويه، خلال شهر واحد إلى أي مكان في العالم حيثما توجد الموانئ، والسكك الحديدية، والقاطرات، والشاحنات المسطحة، والجرارات، ووقود الديزل، والطرق اللازمة لاستقبالها.

إنها حاوية البضائع الحديثة، وهي قادرة على نقل السلع غير القابلة للكسر أو الفساد من أي مصنع حديث يحتوي على رصيف تحميل إلى أي مستودع حديث في أي مكان من العالم، في مقابل 1% من قيمة البيع بالتجزئة. الحقيقة أن تكاليف النقل بهذه الحاويات هامشية، فقد تبلغ خمسة آلاف دولار أميركي، أقل من سعر تذكرة الدرجة الأولى بالطائرة، كما عبر عن ذلك مارك ليفنسون مؤلف الكتاب الممتاز "الصندوق: كيف تمكنت حاوية الشحن من تقليص حجم العالم وتضخيم حجم الاقتصاد العالمي".

بدأت تلك التطورات منذ عام 1960 أو ما إلى ذلك. وآنذاك كانت تكاليف الشحن الدولي عبر المحيطات قد تصل بالنسبة لأكثر السلع إلى ما يقرب من 10% إلى 20% من قيمة البيع بالتجزئة. لكن حاوية الشحن غيرت كل شيء.

حين اشترت أسرتي غسالة ألمانية الصنع، من أحد المتاجر في سان لياندرو بكاليفورنيا، كان القدر الأكبر من تكلفتها مستغرقاً في الدقائق العشر التي أمضتها السيدة التي باعتنا إياها في الحديث عنها، مقارنة بالرحلة التي قطعتها الغسالة من المصنع في سورندورف بألمانيا إلى رصيف الشحن في سان لياندرو، أو تحميلها بالرافعة المشعبة من رصيف التحميل إلى مكانها وسط الغسالات التي اكتظت بها إحدى زوايا المخزن التابع للمتجر. في النهاية بلغ ما تحملناه من تكلفة لنقل الغسالة من المتجر إلى باب منزلنا ما يقرب من ثمانية أمثال تكلفة رحلتها من المصنع الألماني إلى المتجر الذي اشتريناها منه.

ما لا شك فيه أن العالم ليس "مسطحاً"، كما يعتقد توماس فريدمان الكاتب الشهير في جريدة نيويورك تايمز، ولكن من ناحية اقتصادية بحتة، نستطيع أن نقول إن العالم أصبح صغيراً للغاية بالنسبة للسلع غير القابلة للفساد أو الكسر. فقد بات الآن كل مصنع حديث ينتج كماً ضخماً من السلع ولديه رصيف تحميل مناسب وكأنه يقع بجوار كل متجر أو مستودع حديث لديه نفس الإمكانيات في أي مكان من العالم.

على الرغم من ذلك فلا يسعنا أن نقول إن العالم بالكامل أصبح صغيراً إلى هذا الحد، فالأمر يقتصر فقط على ذلك القسم من العالم المرتبط بشبكة نقل الحاويات العالمية. والمناطق التي تفتقر إلى البنية الأساسية اللازمة ما زالت تعتبر بعيدة كل البعد عن نظام التجارة العالمية الذي يحمل منتجات مثل تلك الغسالة الألمانية من مصانع ويستفاليان إلى المستودعات في كاليفورنيا في مقابل واحد من المائة من الجنيه.

على سبيل المثال، إن لم يكن التيار الكهربي لديك ثابتاً بحيث لا تستطيع الاعتماد على قدرتك على ضخ الديزل إلى شاحنة النقل، فلن تتمكن من الارتباط بهذه الشبكة. وإذا كان حجم إنتاجك أصغر من أن يملأ حاوية تستوعب ألفي قدم مكعب من البضائع لتصديرها إلى بلد واحد، فلن تتمكن أيضاً من الارتباط بالشبكة.

وعلى نحو مماثل، إذا كنت تعيش في بلد حيث يختلس المقاول أو غيره من الأموال المخصصة لتعبيد الطرق، فلن تجازف أي شركة نقل بمرور شاحناتها العملاقة على تلك الطرق، وهذا أيضاً يجعلك عاجزاً عن الارتباط بالشبكة. وإذا كانت المحاكم في بلدك تفتقر إلى الكفاءة التي تجعل المستثمر الأجنبي واثقاً في حصوله على ما تعده بالحصول عليه، فإن قليلاً من المستثمرين قد يجازفون بالتعامل معك، أي أنك بهذا أيضاً تعجز عن الارتباط بالشبكة. وإذا لم يكن ما تنتجه قد استحوذ على انتباه الجماهير المستهلكة في الخارج فأنت لست مرتبطاً بالشبكة. وإن لم يكن رجال الأعمال في بلدك قادرين على بناء المؤسسات الضخمة من دون اللجوء إلى الانتهازيين من ذوي النفوذ السياسي، فأنت أيضاً لست مرتبطاً بالشبكة.

إن الارتباط بالشبكة العالمية للحاويات يشكل فرصة هائلة بالنسبة لأي قسم فقير من الاقتصاد العالمي. لكنها فرصة تستلزم أن يكون كل شيء - البنية الأساسية، والإدارة العامة، والحكم، والسبل اللازمة لتعريف العالم الخارجي بمنتجاتك- على قدر كبير من الانضباط والكفاءة. وإن لم تكن قد أنشأت بالفعل الشبكات الاجتماعية التي من شأنها أن تمكن العاملين لديك ورؤساءهم من تحديد السلع التي قد تولد طلباً عالياً لدى القسم الغني من النظام الاقتصادي العالمي، فلن يكتب لك النجاح حتى ولو كنت مرتبطاً بشبكة الحاويات العالمية.

لقد تحدث الكثير من المحللين عن نجاح تكنولوجيا الاتصالات في "قتل المسافات". والحقيقة أننا نستطيع اليوم أن نتحدث إلى أي شخص في أي مكان من العالم. ولكن يبدو أن حاويات الشحن أصبحت اليوم تشكل الأداة الحقيقية لقتل المسافات. ذلك أننا إذا ما تناولنا الجانب التجاري على الأقل، فلسوف نجد أن البضائع التي نشحنها عبر المحيطات ما زالت تفوق في أهميتها وثقلها الكلمات التي نتبادلها في كل أنحاء العالم.

جيه. برادفورد ديلونج أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكان نائباً لوزير خزانة الولايات المتحدة أثناء إدارة كلينتون.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مه بروجيكت سنديكيت.

التعليق