الهدف لبنان وليس "حزب الله"!

تم نشره في الأحد 23 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

يبدو الهدف الأسرائيلي واضحاً. ما تسعى إليه إسرائيل هو استكمال عملية تدمير البنية التحتية اللبنانية والانتقام من لبنان واللبنانيين؟ الأكيد أن "حزب الله" الذي تدّعي اسرائيل شنّ حرب عليه هو الطرف الأقلّ تضرراً من الحرب التي تستهدف لبنان، سواء استمرّت هذه الحرب أم لم تستمر، ذلك أن اعمار لبنان وازدهاره وعودة العرب اليه واستعادته لدوره على أيّ صعيد من الصعد آخر هموم "حزب الله" الذي لديه أجندة خاصة به. كان أفضل تعبير عن هذه الأجندة، عملية خطف الجنديين الاسرائيليين في الثاني عشر من الشهر الحالي في مكان محدد، هو "الخط الأزرق" لتأكيد ان لبنان خرق القانون الدولي.

وعلى الرغم من قول الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله  لقناة "الجزيرة" مساء الخميس الماضي أنه يقاتل من أجل الدفاع عن مصلحة لبنان، لم يجد أي لبناني لديه بعض الولاء لبلده؛ أين مصلحة لبنان في تقديم التبريرات لإسرائيل كي تدمّر البلد. كذلك، لم يجد لبناني يفكّر بطريقة منطقية، كيف يمكن لحزب مذهبي جرّ البلد إلى فخ مكشوف، بحجة استعادة أسرى لدى إسرائيل فيما هنالك ألف طريقة وطريقة لاستعادة هؤلاء من دون سقوط قتيل في لبنان.

يمكن أن يعجب الكلام المنمّق للسيّد نصرالله كثيرا من الناس، خصوصاً فيما يسمّى الشارع العربي، إلاّ أن الحقيقة لا يمكن إلاّ أن تتكشف عاجلاً أم آجلاً. سيتبيّن في غضون أسبوع أو شهر على الأكثر أن "حزب الله" نفّذ أنقلاباً على الصعيد اللبناني بهدف ابلاغ العالم أن لا دولة في لبنان وأن لبنان مجرّد "ساحة" للنظامين السوري والإيراني، إضافة بالطبع إلى أنّها حقل تجارب لسلاح الارهاب الذي تمارسه اسرائيل.

لو كان "حزب الله" مهتماً بمصلحة لبنان لما كان اختار تنفيذ عملية الخطف في مكان محدد غير متنازع عليه على الحدود وفي توقيت معيّن يستهدف بكلّ وضوح الربط بين غزّة ولبنان. هل صدفة أن يكون خطف الجنديين جاء بعد أربع وعشرين ساعة من المؤتمر الصحافي الذي عقده في دمشق السيّد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" بغية الحديث عن خطف الجندي الاسرائيلي في غزّة وللتأكيد أن "حماس" الخارج تعمل من منطلقات مختلفة عن "حماس" الداخل؟!

بكلام أوضح، لا علاقة لأجندة "حزب الله" بالمصلحة اللبنانية، كما يفهمها اللبنانيون، بمقدار ما أنها مرتبطة بالمصالح السورية والإيرانية. لو لم يكن الأمر على هذا النحو، ألم يكن في استطاعة "حزب الله" تأخير عمليته إلى ما بعد انتهاء فصل الصيف الذي كان يعوّل عليه اللبنانيون الكثير من أجل انعاش الاقتصاد الوطني ولو نسبياً؟

 

لا شكّ أن اسرائيل تعرف ذلك جيّداً وتعرف خصوصاً أن ما يدور على الأرض اللبنانية حالياً حرب بالواسطة مع ايران. لكنّها تصرّ على أن يدفع  لبنان واللبنانيون ثمن الحرب لسبب في غاية الوضوح يتمثّل في الانتقام من البلد الصغير الذي اختار تنفيذ القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الأمن على طريقته، أي من دون الاصطدام بـ"حزب الله" الذي يعرف الطفل اللبناني أنّه مرتبط ارتباطاً عضوياً بالنظام الايراني وأنه حليف للنظام السوري ينسّق معه كلّ خطوة يقدم عليها.

يُخشى أن يكون "حزب الله" الطرف المحلّي المستفيد من الحرب التي تشنّها اسرائيل على لبنان. ويُخشى أن يكون الهدف الاسرائيلي استكمال ما قام به النظام السوري الذي استطاع بطريقة أو بأخرى التخلص من شخص رفيق الحريري باني لبنان الحديث. فما يحدث حالياً ان اسرائيل تتابع هذه المهمة عن طريق شن حرب لا تستهدف القضاء على "حزب الله" وعلى بنيته التحتية إلاّ ظاهراً. على العكس من ذلك فالحرب الإسرائيلية تبدو أقرب ألى أن تكون تتمّة منطقية للمشروع التدميري الذي استهدف لبنان. هذا المشروع الذي بدأ بالتمديد القسري للرئيس أميل لحود، الرجل الذي تباهى برفض ارسال الجيش الى جنوب لبنان، وباغتيال رفيق الحريري العربي الأصيل الذي عمل من أجل وضع سورية ولبنان على الخريطة الاقليمية والعالمية فنجح مع لبنان وفشل مع سورية.

يُدرك القاصي والداني أن لبنان، الممثّل بالأكثرية الشعبية والنيابية فيه، وهما أكثريتان حقيقيتان، عمل كلّ ما يستطيع من أجل استيعاب "حزب الله". والدليل على ذلك، ضم الحزب الى الحكومة من أجل اقناعه بالتصرف بطريقة مسؤولة تتفق والمصلحة اللبنانية، ولكن من دون نتيجة. كان هناك منطق متكامل للحكومة اللبنانية التي تسعى اسرائيل حالياً إلى اضعافها وشلّها بما يتلاءم مع الحملات التي تشنها عليها دمشق عبر أبواقها المحليّة.

وفي حال استمرّت اسرائيل بحربها الهمجية على لبنان، لن يكون مستغرباً أن تقع في الخطأ ذاته الذي وقع فيه الأميركيون في العراق. كانت النتيجة العملية للحرب الأميركية على العراق والتي اتسمت بأعمال، أقلّ ما يمكن أن توصف به انّها عشوائية، خروج إيران منتصرة من الحرب، من دون أن يكلّفها ذلك شيئاً. أكثر من ذلك، سمحت هذه الحرب لإيران بالسعي إلى تكريس دورها الاقليمي في غير مكان، بما في ذلك في لبنان وعبر "حزب الله" بالذات.

ما يمكن قوله الآن انّه في حال استمرت اسرائيل في حربها على لبنان بالطريقة المعتمدة حالياً، ليس مستبعداً أن يخرج "حزب الله" أقوى مما كان وأن يكون النظام في سورية الساعي إلى العودة العسكرية إلى لبنان، بأي طريقة من الطرق، الرابح الأوّل من عملية خطف الجنديين الاسرائيليين وما تلاها من رد فعل اسرائيلي مجنون.

في النهاية ما الذي يضر اسرائيل من خروج ايران في وضع أقوى من الحرب الاسرائيلية على لبنان عبر حلفائها السوريين واللبنانيين، أي النظام السوري وحزب الله؟ ما الذي يضرها من ضرب مشروع إعادة الحياة إلى لبنان ومن دور إقليمي أكبر لطهران ما دام هذا الدور على حساب العرب والمنظومة الأمنية العربية؟

المؤسف أن لا تفسير للردّ الاسرائيلي على عملية خطف الجنديين سوى القضاء على لبنان الحضاري وعلى أي امكانية لعودة لبنان إلى وضعه الطبيعي. من الواضح انّ اسرائيل تعمل على الاستفادة قدر الامكان من الفرص المتاحة لها، في مقدّمها الانقلاب الذي نفّذه "حزب الله"... انقلاب على الدولة اللبنانية لا أكثر ولا أقلّ!

كاتب لبناني

التعليق