د.باسم الطويسي

وصف غرفة العمليات الإسرائيلية

تم نشره في الخميس 20 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

في مقر قيادة المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي، أو في غرفة عمليات قيادة الجيش المركزية أو حتى في مراكز الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية لا يختلف تقدير الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي في أهدافه العامة في هذه اللحظات. فبينما تصل الثقة بالتفوق والقدرة على الحسم الاستراتيجي حد التخمة، لا ينكر احد هاجس الخوف وانتظار ما لم يحسب حسابه في حرب غير متكافئة، ولا آفاق واضحة لها.

غرف العمليات الاستراتيجية الإسرائيلية المزدحمة بالشاشات وأجهزة الاتصال والخرائط وأوسمة الجنرالات تناقش في هذا الوقت الكفاءة القتالية والقدرات التدميرية ومنهج التدمير المبرمج والعشوائي، وأبعاد فرض الهيمنة المطلقة على المعركة جوا وبرا وبحرا، بينما لا تغيب عنها هواجس أخرى تفرضها طبيعة المعركة، ونتائج انغلاق الأفق السياسي والنفق المعتم الذي دخلته المنطقة.

الجنرالات لديهم من الإدراك أكثر من غيرهم بأنه لا يوجد في الواقع حسم استراتيجي مطلق. فالوقائع قد تقود إلى تحول نوعي في الداخل أي حلول اليأس التي قد تصل إلى قتل جماعي في عمق المدن الإسرائيلية، وصواريخ بعيدة المدى تطال المراكز الحيوية والحساسة، تملك القدرة على إحداث الألم الحقيقي في الجبهة الداخلية، وصولا إلى تفجير قنابل كيماوية أو جرثومية داخل مدن إسرائيلية.

انغلاق الأفق السياسي في المنطقة يتيح لإسرائيل مرحلياً التفرد في التفاعلات الإقليمية كافة، وهي حالة نادرة في تاريخ الاستراتيجيات؛ أي ان تبني دولة ما استراتيجيتها وكأنها لا تأخذ بعين الاعتبار أي ادوار أخرى للبيئة المحيطة بها، حيث تُعد إسرائيل في هذا الوقت الدولة الوحيدة ذات الاستراتيجية المستقلة في نظرتها للإقليم، في الوقت نفسه هي الدولة الوحيدة التي تملك دورا في صياغة الاستراتيجيات الدولية المفروضة على المنطقة، ويعود ذلك إلى وقت مبكر منذ حرب السويس عام 1956، حينما شاركت بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر، وإذ بقيت دولة ذيلية في المخططات الدولية لوقت ما، فقد تحولت إلى دولة مركزية في التخطيط الاستراتيجي للمنطقة وما حولها.

بين الرغبة في إحداث ازاحات استراتيجية إقليمية أو فرض أوضاع جديدة على الحدود الشمالية أو وضع لبناني داخلي جديد، تتعدد أهداف الحرب الإسرائيلية الراهنة التي تدار من خلالها التفاعلات حيث يلخص الموقف من غرف العمليات الإسرائيلية على النحو الآتي:

أولا: التعامل الاستراتيجي، يُنظر للموقف من زوايا متعددة منها الأهداف الأمنية المباشرة، والأهداف المنتظرة ذات الصلة بالفاعلين السياسيين والاستراتيجيين الإقليميين، والأدوار المتوقعة منهم، ما يجعل التعامل الاستراتيجي مع الموقف يحتاج إلى توازن بين زوايا متعددة، وبسبب البحث عن هذا التوازن ربما يحتاج الموقف إلى زمن أطول، لكي يتحقق تراكم كمي في التفاعلات بجانبيها السياسي والعسكري، الأمر الذي يخوّل إسرائيل إلى فرز أهدافها الممكنة، وتحقيقها من دون تردد.

ثانياً: النظام الاستراتيجي، ويشير إلى جملة التوقعات عن البيئة والخصم؛ فعلى الطرف اللبناني يناور حزب الله تحت عنوان عريض بأنّ العدو لا يعرف حجم قوته أو قدراته القتالية، أي ان المناورة الاستراتيجية لحزب الله قائمة على عقيدة الردع بالخوف، ويأتي ذلك وفي ذهن قادته ثقة عالية ضد الاختراقات الأمنية الإسرائيلية، ودليلهم على ذلك الخلايا الجاسوسية الإسرائيلية التي توالى الكشف عنها في لبنان، وتتحدد نجاعة هذه التوقعات في ضوء حجم الدمار الذي ألحقته الآلة العسكرية الاسرئيلية على اقل تقدير في منصات وقواعد إطلاق الصواريخ.

على الجهة المقابلة هناك اختلاف في الرؤية يقود إلى تساؤلات أهمها؛ هل فوضى التقديرات والتوقعات الإسرائيلية لقوة حزب الله وقدراته سببها استرخاء استخباراتي إسرائيلي، وهو ما تعبر عنه المقاومة فيما تصفه بالمفآجات أم ان هذا التناقض في التوقعات والتقديرات هو جزء من المناورة الاستراتيجية الإسرائيلية، إذا ما علمنا ان اولمرت رئيس الوزراء الحالي المحامي القديم يحمل إجازة أخرى في علم النفس، وكان على رأس التخطيط والإدارة للحملة الإعلامية للغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.

يتحدد الاختبار الحقيقي لقدرة الطرفين في تقدير الموقف على مسار الأحداث والتطورات، وعلى قدرة كل منهما على توقع حدود ردود الفعل الحقيقية للطرف الآخر، وفي ضوء حجم التدمير الذي لحق البنى العسكرية لحزب الله فإنّ توقع الطرف الإسرائيلي ان ينكفئ الحزب نحو الداخل أي إلى استراتيجية دفاعية، وهذا يحدده مدى رغبة إسرائيل في فرض الحسم الاستراتيجي، والذي يعني إما تدميرا شبه كامل أو الإذعان والقبول بالشروط المفروضة، هذا التقدير الاستراتيجي التقليدي الذي يملك أدوات الحسم كافة في ضوء انكشاف سياسي إقليمي ودولي، بينما تذهب حسابات أخرى إلى فرضيات لم يحسب حسابها.

في العلم والفن الاستراتيجي يشكل تحدي حزب الله لإسرائيل المستوى الثاني من الألغاز الاستراتيجية، أي معضلة استراتيجية، وفحواها ان دولة ما أمام مشكلة تثير الضيق بسبب ان لها أكثر من حل محتمل ليس من بينها الحل المنطقي، بالطبع في حالتنا الحل المنطقي هو الذي يتفق على المصالح الإسرائيلية، بينما يشكل الموقف على الجانب الإسرائيلي– الفلسطيني ومن وجهة نظر غرفة العمليات الإسرائيلية المستوى الأول من المقولات والألغاز الاستراتيجية الأكثر تعقيداً، وربما لا تعبر عنه إسرائيل مباشرة لكنها تدركه على الأقل من التقدير الدولي للموقف، وهو ما يسمى بالمفارقة الاستراتيجية؛ إي موقف بين طرفين متناقضين إلى حد كبير أو ربما بشكل كامل، بينما يبدو ان الطرفين لهما شرعية في مطالبهما، فالمفارقة الاستراتيجية ليس لها حل واضح، فكل من الطرفين يعتقد بأنه يتمتع بنوع من الصدق الاستراتيجي، أي انه على استعداد لممارسة أي فعل لتحقيق مطالبه، بينما تضيق مساحة المناورة كلما زاد هذا الصدق، وهو الأمر الأكثر استفزازاً للاسرائيليين حينما يعبر الفلسطينيون عن هذا الصدق بعملياتهم الاستشهادية.

 

ثالثاً: الخلاصات الاستراتيجية، التطور المنطقي الذي تنتظره إسرائيل ان تجني الحرب الجديدة نتائجها ليس على الساحة التي تدور فوقها مباشرة، بل على ساحات أخرى أهمها المزيد من الشرعية المحلية والدولية لخيارات إسرائيلية قائمة أولها ضمان الدعم والإشهار النهائي لمشروع (خطة الانطواء) أي ترسيم حدود دولة إسرائيل بحلول عام 2008.

التطور الجديد الذي سيضاف إلى الخطة هو المناطق العازلة في غزة وجنوب لبنان، وربما في الضفة وغيرها، ثم استكمال بناء الجدار العازل، وهو في الحقيقة النسخة الأصلية لخطة الانطواء حيث تم بناء 42% من الجدار أي 336 كلم من الأصل المستهدف 790 كلم، الخلاصة الثالثة الوصول إلى تسوية واقعية تفرضها القوة وتحميها، تتوجها هذه الحرب بالاعترافات المتبادلة بنهاية مشاريع التسوية السياسية؟ بالنسبة للاسرائيليين أخذوا بتدشين هذه الخلاصة بالأفعال منذ زمن عبر الجدار العازل وخطة ترسيم الحدود والمناطق العازلة وحرب لبنان، أما بالنسبة للعرب فقد وصلهم الخبر أخيرا، لكنهم لم يدركوه بعد.

Basimtwissi@hotmail.com

التعليق