الخيارات الإسرائيلية

تم نشره في الخميس 6 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

تعيد أزمة أسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شليط" إلى الأذهان الأجواء التي رافقت عملية عنتيبي الشهيرة. عندها خلقت عملية الرهائن جدلا واسعا في الشارع الإسرائيلي حول كيفية الرد على العملية. انتصر الخط المطالب بعملية عسكرية نفذت بحرفنة قل نظيرها. وكانت حكومة رابين تخشى الفشل فلجأت لعملية مفاوضات فقط لشراء الوقت والتحضير لعملية عسكرية، ولم يكن الشارع الإسرائيلي آنذاك واثقاً من الخيار العسكري. وعندما نفذت العملية صفق لها الجميع في إسرائيل وأصبح الحل العسكري بعدها من السمات العامة التي تميز علاقة إسرائيل مع من تعتقد بأنهم "إرهابيون".

حتى لا نخدع أنفسنا فإن ظروف عملية عنتيبي مختلفة تماما، ولم تكن جزءا من مخطط إسرائيلي في أفريقيا بقدر ما كانت رغبة حقيقية لدى الحكومة الإسرائيلية لتحرير الرهائن. أما في حالة العريف الأسير، فإنّ الجيش الإسرائيلي، وإن كان بالفعل يسعى لاستعادة جلعاد، إلا انه ينفذ عمليات تقع في إطار استراتيجية اكبر مفادها منع الاعتدال الفلسطيني من خلال سياسة التصعيد العسكري. وبالتالي فالموضوع ليس فقط قصة الجندي الأسير. وتشعر حكومة أولمرت بالحرج الأمني بعدما تبين أن خطة الانسحاب الأحادي من غزة لم تجلب الأمن المنشود! وعليه، فإنّ أولمرت يريد حسم الموضوع بالطريقة العسكرية الحاسمة.

ما هو متاح أمام إسرائيل من خيارات قليل. فقد وضعت إسرائيل نفسها في أزمة عندما رفضت التفاوض مع أية جهة فلسطينية حول هذا الموضوع، واكتفت بالمطالبة بالإفراج غير المشروط عن الجندي الأسير. وبالتالي فما ذهب إليه زئيف شيف بشأن الخيارات الإسرائيلية هو إلى حد ما صحيح. فخيار تبادل أسرى هو واقعي، لكنه مستبعد إلى حد ما بسبب التصعيد والإصرار الإسرائيلي على إحراز انتصار كامل. والخيار الآخر هو الاستمرار بالوضع الحالي من تبادل الضربات لكن ذلك لن يحسم الصراع وقد لا يؤدي إلى إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي. أما الخيار الأخير والأكثر جدية فهو أن تصعد إسرائيل هجومها وتوغلها في غزة الأمر الذي قد يسقط حماس ويخلق فوضى غير مسبوقة في غزة، وربما مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

والإشكالية الرئيسية في السيناريو الأخير الذي يتنبأ به زئيف شيف هو كيف سيحقق سيناريو انهيار السلطة هدف إسرائيل القاضي بتحقيق انسحاب أحادي دون وجود طرف فلسطيني يحكم، ولكنه غير مؤهل للعب دور الشريك! هذه هي المعادلة صعبة التحقق بالنسبة لاستراتيجية ايهود أولمرت. فوجود طرف فلسطيني يقوم باستلام الأراضي المزمع الانسحاب منها هو ضروري جدا لإنجاح الأحادية وإلا فإنّ الفراغ قد يدعو إلى بروز مطلب بتولي إسرائيل مسؤولية تجاه الفلسطينيين.

أختلف مع تقديم زئيف شيف الخيارات الثلاثة وكأن كل واحد يستثني الآخر. ويمكن القول إنّ مزيجا من الخيارين الأول والثاني هو الأقرب إلى الواقع. فلا يمكن استبعاد إطلاق سراح الجندي الأسير بتفاهم جانبي بين الجانبين وان تستمر الهجمات المتبادلة كجزء من حرب استنزاف تحقق فيها إسرائيل ضمانة انشغال الفلسطينيين بالأمور الأمنية والعسكرية (مع عدم فعاليتها)، وبالتالي عدم تحولهم إلى طرف فاعل وجدي ومؤهل للتنافس مع إسرائيل في الملعب السياسي. فسياسة الحافة brinkmanship التي يتبعها الطرفان هي أقرب إلى لعبة عض الأصابع سيتعبان منها  قريبا، وسيكون هناك حل للأزمة التي رافقت الجندي الأسير. لكن ما هو مؤكد أنه، وفي حال إنهاء الأزمة، فإنّ العنف الإسرائيلي لن ينتهي لأنه مصمم على استخدام استراتيجية واضحة لا تتأثر بأسر جندي أو إطلاقه. فعلى الفلسطينيين الاستعداد إلى مرحلة ما بعد الأزمة والتعاطي مع الوضع القادم بمزيد من الحزم الداخلي والاعتدال الخارجي.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق