من الذي ينبغي أن يحصل على المساعدة أولا؟

تم نشره في الأربعاء 28 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

إن قائمة التحديات الملحة التي تواجه الإنسانية لهي قائمة طويلة إلى حد يوقع الكآبة في النفس. وتتنافس قضايا مثل الإيدز، والجوع، والصراع المسلح، وظاهرة الاحتباس الحراري لجو الأرض على شد انتباه الناس، إلى جانب قضايا أخرى مثل؛ إخفاق الحكومات، والملاريا، والكوارث الطبيعية الحديثة. وعلى الرغم من تعاطفنا الهائل مع المتضررين من كل هذه المآسي، إلا أن مواردنا محدودة. لذا، لابد وأن نحصل نحن أولاً على المساعدة.

يرى بعض الناس أن وضع مثل هذه الأولويات يبدو بعيداً كل البعد عن اللياقة. لكن الأمم المتحدة والحكومات الوطنية تنفق المليارات من الدولارات كل عام في محاولة لمساعدة المحتاجين دون أن تتبين بوضوح ما إذا كانت تبذل قصارى جهدها.

فحين ركزت أجهزة الإعلام الغربية على موجة التسونامي التي ضربت آسيا؛ تدفقت التبرعات والهبات بحرية. وحين ضرب زلزال مدمر باكستان فاسترعى قدراً أقل من الاهتمام الإعلامي والعناوين الرئيسية، رأينا كيف كان عطاء الدول المتقدمة أقل كثيراً.

هناك وسيلة أفضل. نستطيع أن نرتب أولويات الإنفاق من أجل تحقيق القدر الأقصى من الاستفادة من أموالنا.

في هذا الشهر سوف أسأل سفراء الأمم المتحدة كيف يعتزمون إنفاق خمسين مليار دولار أميركي في سبيل تخفيف معاناة البشر. ولسوف يكررون نفس الممارسة التي بادر إليها بعض من أفضل خبراء الاقتصاد في مشروع عام 2004 الذي أطلق عليه "إجماع كوبنهاجن": حيث سيزنون الحلول المتاحة للتحديات العظيمة التي تواجه العالم، ثم يقررون ما الذي ينبغي علينا أن نقوم به أولاً.

لكن هذا السؤال لا ينبغي أن يترك للساسة والحائزين على جائزة نوبل فحسب للإجابة عليه. بل يتعين علينا جميعاً أن نشارك في الحوار. وإنني لأتمنى أن تكون هذه المهمة قد أصبحت أكثر سهولة بعد نشر ذلك الكتاب الذي صهر فيه خبراء إجماع كوبنهاجن آراءهم ووجهات نظرهم في ذلك الشأن.

وهنا تحضرني حقيقة لابد من وضعها في الاعتبار: إن إجمالي الوفيات التي نجمت عن موجة التسونامي التي ضربت سواحل جنوب شرق آسيا يعادل عدد ضحايا مرض الإيدز على مستوى العالم في كل شهر يمر علينا. وإن تطبيق برنامج وقائي شامل يوفر الواقي الذكري المجاني أو الرخيص ويقدم المعلومات حول ممارسة الجنس بصورة آمنة في المناطق الأشد تضررا بمرض الإيدز والفيروس المسبب له سوف يتكلف حوالي 27 مليار دولار أميركي، ومن شأنه أن ينقذ أرواح أكثر من 28 مليون إنسان. وطبقاً لتصريحات الخبراء الذين شاركوا في إجماع كوبنهاجن، فإن البرنامج إذا ما حقق هذه الغاية فإنه سيعد بذلك أفضل استثمار تمكن العالم من تقديمه على الإطلاق. والحقيقة أن الفوائد الاجتماعية المترتبة على تطبيق مثل هذا البرنامج سوف تفوق التكاليف بمعدل أربعين إلى واحد.

من بين الخيارات الأخرى التي فضلها خبراء الاقتصاد في إنفاق جزء من الخمسين مليار دولار أميركي، توفير الغذاء الأساسي لجوعى العالم، وترسيخ التجارة الحرة، ومكافحة الملاريا باستخدام شبكات البعوض وتوفير العلاجات. وعلى الجانب الآخر فإن محاولات علاج قضية تغير المناخ مثل بروتوكول كيوتو، من شأنها أن تكلف أكثر مما قد يتحقق عنها من فائدة، وعلى ذلك فقد حذفها خبراء الاقتصاد من على قائمة الأمور التي ينبغي علينا أن نقوم بها حالياً.

ولكن بصرف النظر عما إذا كنا نتفق مع خبراء الاقتصاد في هذا أو نختلف معهم، فلابد وأن يعترف كل إنسان بأننا لا نستطيع أن نقوم بكل شيء على الفور. ومن هنا فإن مناقشة الأولويات تشكل أمراً على قدر عظيم من الأهمية. كثيراً ما يتجنب الساسة مسألة تحديد الأولويات. ولكن لماذا؟ إن الإجابة العفوية على هذا التساؤل تتلخص في أن الأمر ينطوي على صعوبات بالغة. فهناك العديد من الأطراف المهتمة، ولا ترغب أي مجموعة في أن يأتي الحل الذي تقدمت به في ذيل القائمة، كما لا ترغب أي حكومة في إغفال التحديات الوطنية التي تواجهها.

لن يكون مؤتمر الأمم المتحدة سلساً يسيراً، ولكن من الأهمية بمكان أن يؤكد هذا المؤتمر على وجود الإرادة اللازمة لوضع الأولويات في بؤرة الاهتمام. ولسوف يتولى القائمون على المؤتمر إعداد قائمة بما ينبغي على العالم أن يقوم به أولاً، كما ستبين هذه القائمة كيفية تحقيق أقصى فائدة ممكنة من أجل الإنسانية، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى المزيد من الشفافية في اتخاذ القرار.

إن مبادئ الاقتصاد تقدم لنا أساساً نستطيع استناداً إليه أن نتخذ القرارات المتعقلة. والآن لابد وأن يتحول الحوار من الدوائر الأكاديمية إلى الحياة السياسية. ولقد آن الأوان لكي نبادر جميعنا إلى دراسة قوائم أولوياتنا والمقارنة فيما بينها.

ويتعين علينا أن نبذل قصارى جهدنا من أجل الخروج بأقصر قائمة ممكنة للتحديات التي تواجه الإنسانية. لكن هذا يتطلب منا أن نشارك جميعنا في الحوار بشأن ما الذي يتعين علينا أن نقوم به أولاً.

بيورن لومبورج كان المسؤول عن تنظيم إجماع كوبنهاجن، وهو أستاذ مساعد في كلية التجارة بجامعة كوبنهاجن، ومحرر الكتاب الذي صدر مؤخراً بعنوان:"كيف ننفق خمسين مليار دولار أميركي لكي نجعل من العالم مكاناً أفضل"

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق