القتل هو القتل

تم نشره في السبت 24 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

تصعيد الجيش الإسرائيلي لعملياته الجوية ضد أهداف مدنية في غزة غير مبرر ولا يمكن فهمه الا ضمن استراتيجية التصعيد الإسرائيلية التي تهدف الى ابقاء الفلسطينيين مشتتين وغير قادرين على الاتفاق. كما أنها تهدف الى إفشال الحوار الوطني الفلسطيني الجاري، والعمل على إسكات الأصوات المعتدلة داخل السلطة الفلسطينية، كما أسكتت بل ألغت معسكر السلام الإسرائيلي منذ زمن ليس بقريب.

وعندما تقوم إسرائيل بعمليات القتل ضد مدنيين وأطفال فلسطينيين، فإن درجة الغضب الدولي لا تصل حد الإدانة في كثير من الأحيان. فنجد القول بأن الأعمال الاسرائيلية، على سبيل المثال، غير مقبولة. ويبدي الطرف الدولي تفهما ضمنيا لأعمال القتل الاسرائيلية عندما يطالب الموقف الدولي الفلسطينيين بالكف عن أعمال الأرهاب!

لا يمكن فهم هذا الموقف الا بوصفه خنوعا وضعفا، فالقتل هو القتل سواء كان بصواريخ القسام (التي لم تقتل من الإسرائيليين سوى أقل من أصابع اليد الواحدة) أو بآلة الحرب الإسرائيلية التي تقتل العشرات وكلما أرادت.

لكن يبدو أن هناك موقفا إسرائيليا واضحا من الموازين الأخلاقية للقتل المتبادل. فيقول أولمرت، على سبيل المثال، إنه يشعر بالآسى لمقتل المدنيين الفلسطينيين. لكنه يضيف بأنه ليست هناك مساواة أخلاقية بين الهجمات "الارهابية" الفلسطينية وعمليات الجيش الإسرائيلي التي لا تحاول إلحاق الأذى بالمدنيين. أما المتشدد نتنياهو فيقول، في المؤتمر الصهيوني الخامس والثلاثين، "لدى جيش الدفاع الإسرائيلي قوة نيران كافية لمحو سكان غزة عن الوجود، ولكننا لن نفعل ذلك. ولو امتلك الجانب الفلسطيني قوة نيران مشابهه لقام بذلك".

نجد هنا الشعور بتفوق المنطق الاسرائيلي وأخلاقياته كما لو كان الجانب الفلسطيني هو عنصر أقل من درجة البشر! وهذا الشعور بالتفوق له علاقة بإحدى الأساطير التي نسجها بن غوريون عندما تكلم عن طهارة السلاح اليهودي. بمعنى أن للإسرائيليين القدرة على استخدام السلاح ضد الأعداء العسكريين من دون التعرض للمدنيين. وهذا الفرق، حسب رأي بن غوريون، بين طهارة سلاحهم وقذارة سلاح العرب الفلسطينيين!

الهدف هنا ليس القول بسمو وطهارة السلاح الفلسطيني أو الدم الفلسطيني على نظيره الإسرائيلي. وانما نرى بأن البشر متساوون بصرف النظر عن دينهم وعرقهم ولونهم. ولا يمكن لنا أن نتبنى أي نظرية عنصرية تنادي بتفوق أية إثنية على وجه البسيطة. لذلك فالدم الفلسطيني هو بنفس اهمية الدم اليهودي وقتل اي منهما هو قتل لا يقبل التفسير بغير ذلك.

الفرق بين الجانبين أن أحدهم يقبع تحت الاحتلال ويقاوم من أجل التحرر كبقية شعوب الأرض، وفق مبادئ انسانية مثل حق تقرير المصير، والآخر محتل ومستعمر يرفض التعايش مع الفلسطينيين حسب القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن. وبالتالي نتفهم اصرار الفلسطينيين على التمسك بحقهم في الدفاع، وإن كنا نختلف مع وسيلة النضال التي تنتهجها بعض العناصر الفلسطينية.

وفي خضم التراشق المتبادل والتمترس خلف مقولات أخلاقية ذات طبيعة اثنية، هناك حاجة لتبلور موقف دولي لا يميز بين اعتداء وآخر. فاذا قام الفلسطينيون بمهاجمة أهداف اسرائيلية مدنية على العالم اسماعهم حقيقة الموقف والمبدأ نفسه ينطبق على إسرائيل. عندها سندرك فعلا انه لا مجال للمساواة بين حجم التقتيل الاسرائيلي مع نظيره الفلسطيني.

لا يمكن أن ينحط العالم والحضارة الكونية الى هذا المستوى من النفاق والغطرسة في التعامل مع قضية القرن العشرين الاولى. فالفلسطينيون هم بشر وليسوا بحاجة الى إثبات انسانيتهم، بل على من يتنكر لهم ولحقوقهم إثبات انسانيته وانه جزء من المنجز الحضاري الكوني.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق