الإضرار حين يصدر عن "الأخوة"

تم نشره في الثلاثاء 6 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

فيما يسعى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبجهد محموم متواصل، الى استعادة العمل بـ"خريطة الطريق"، تقف في وجهه، بين عقبات كثيرة، عقبة نادراً ما يتم التطرّق إليها.

فإذا وضعنا جانباً إشكالات السياسة اليوميّة، وهي كثيرة تتصدّرها المشكلات الراهنة والمُلحّة مع حركة "حماس"، بقيت مسألة النموذج وتماسكه وانعكاسها على الجهد الوطني الفلسطيني بعيدة نسبيّاً عن التناول والنقاش العامّين.

فمنذ اتفاق أوسلو في 1993، إن لم يكن منذ مؤتمر مدريد في 1991، كان واضحاً، ضمناً في البداية ثم علناً وصراحةً، أن أحد شروط الانتقال الفلسطيني من حال اللادولة الى حال الدولة قيام توافُق مع الإجماعات السياسية والمؤسسيّة القائمة، ومن ثم تقديم نموذج يدلّ الى الارتضاء بالتوافُق هذا والعمل بمقتضاه.

والمقصود بذلك يمكن إيجازه في نقاط ربما كان أهمّها:

أوّلاً- أن قيام الدولة يضع حدّاً للنزاع التاريخي العنيف بين الفلسطينيين والإسرائيليين،

ثانياً- أن الدولة المذكورة سوف تكون جزءاً من منظومة دول المنطقة الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة،

ثالثاً واستطراداً- أن الدولة هذه تلتزم بالقنوات والمؤسّسات التي تملك شرعيّة دوليّة، وفي طليعتها قرارات مجلس الأمن.

رابعاً- أن اتفاقيات أوسلو جزء لا يتجزّأ من الأساس الشرعيّ غير القابل للنقض الذي تقوم عليه الدولة الفلسطينيّة الموعودة.

وبالفعل، وبالرجوع الى إجماليّ سلوكه، تبنّى الرئيس محمود عباس هذه المبادئ وعمل بموجبها، على رغم صعوبة التزام كهذا في ظل العنجهيّة الاسرائيليّة التي تعمل بطريقة انتقائيّة وانتهازيّة، فتأخذ وتنبذ على هواها، كما على رغم الإحباط الفلسطيني الواسع الذي يسهل تحويله عملاً عنفيّاً مصحوباً بتجاهل ما يصدر عن مؤسسات دوليّة أو ما يشابهها.

بيد أن التحدّي جاء، في المقابل، من طرفين: فلسطينيّاً، من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وإقليميّاً، من "حزب الله" اللبنانيّ في صلته بالسياسات والمصالح العليا للدولتين الإيرانيّة والسوريّة.

فسلوك الأطراف الراديكاليّة الفلسطينيّة، وآخر تجلياته رفض الاستفتاء على وثيقة الأسرى، يشي بأن الرغبة لا تزال قويّة بالتعلّق بالأوهام النضاليّة للمرحلة السابقة. ذاك أن الامتناع عن التفاوض مع الدولة العبريّة والاعتراف بها، وعن التعاطي معها بموجب الأعراف الدبلوماسيّة والمؤسسيّة المعمول بها، يسمح بإلقاء الكثير من ظلال الشكّ على المشروع الوطني الفلسطيني، متيحاً للإسرائيليين الأكثر تزمّتاً ممن لا يريدون التفاوض أصلاً، التوكيد على أن الرئيس عبّاس ضعيف، يستحيل التوصّل الى تسوية جدّية معه، كما يستحيل العثور، في آخر المطاف، على شريك فلسطيني. ولما كانت واشنطن لا يزال يتحكّم بها هُجاس جريمة 11 أيلول (سبتمبر)، باتت مستعدّة لأن ترى الى ما يجري بعين إسرائيليّة تعريفاً.

أما الذين ينظرون الى العرب نظرة إجماليّة كي يركّزوا استنتاجاتهم على الفلسطينيين ويحرموهم حقوقهم، وهي مدرسة قديمة وعمليّة لا تخلو دوماً من أغراض خبيثة، فيجدون ضالّتهم في سلوك "حزب الله" اللبناني. ذاك أن هذا الأخير، حسب مواقفه المعلنة وتمسّكه الصريح بالبندقيّة، ينوي المضيّ في المقاومة على رغم الانسحاب الاسرائيلي من لبنان كما أقرّته الأمم المتحدة ومجلس أمنها.

وما يعنيه السلوك هذا، تبعاً للتأويل ذاك، أن المقاومة مطلوبة عند "العرب" لذاتها، في معزل عن وجود احتلال أو عدم وجوده. فمسألة مزارع شبعا والأسرى في السجون الاسرائيليّة لا تكفي لتشكيل سبب مقنع وراء استمرار المقاومة المسلحة. والحال أن معظم تسويات الحروب والنزاعات تترك وراءها إشكالات من النوع هذا تتولى المعالجة الديبلوماسيّة اللاحقة تذليلها والتغلّب عليها. فالسلام المصري-الاسرائيلي، مثلاً، خلّف وراءه قضية طابا التي أُوكل أمرها الى التحكيم الدولي فحسمها، بعد نيّف وثلاث سنوات، لمصلحة مصر. وهذا كي لا نضيف بأن مزارع شبعا هي مما يصعب بتّه من دون أن تتولى دمشق تحديد هويّتها في صورة واضحة لا تقبل التأويل واللبس والتراجع.

ولا يستلزم الأمر كبير حصافة كي نفهم أن مقاومة "حزب الله" سوف تستمر ما دامت مصالح دمشق وطهران تستدعي ذلك، مُرفقةً بتصوّر الحزب عن تعزيز موقع طائفته، الطائفة الشيعيّة، في التركيبة اللبنانيّة.

غير أن ذلك وما شاكله من اعتبارات لا يُلزم إسرائيل ولا يُلزم، تالياً، القوى الدوليّة المؤثّرة، بقدر ما يثير ريبتها ويضاعف تشدّدها حيال الحقّ الفلسطيني.

وبالمعنى هذا توفّر تجربة "حزب الله" حجّة للذين يريدون القول إن "العرب" لا يمكن التفاهم معهم لأنهم لا يُقرّون بالوقائع والأعراف والمعطيات والمؤسسات القائمة أو المعمول بها، ولا يسعهم إنتاج سياسات ومواقف متماسكة متجانسة تالياً. فـ"حزب الله" مثلاً يشارك في حكومة تشكو إسرائيل الى مجلس الأمن لدى تعرّض لبنان لاعتداء إسرائيلي. إلا أنه، مع هذا، لا يعترف بـ"الخطّ الأزرق" الذي رسمه مجلس الأمن للحدود اللبنانيّة-الاسرائيليّة، ناهيك عن عدم تقيّده، في متابعته نشاطه العسكريّ، بما تقرّره الحكومة التي هو شريك فيها!

ولا يسع أصحاب تأويل كهذا إلا المضي أبعد فأبعد حين يلحظون علامات التنسيق والتكامل بين أطراف كـ"حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"حزب الله" وسورية وإيران، وهما تنسيق وتكامل يخيفان جميع دول المنطقة المنضوية تحت سقف العمل بالموجبات القانونيّة والديبلوماسيّة. فكيف وأن القوى الراديكاليّة المذكورة جميعاً لا تملك رصيداً ناصعاً في التقيّد بالأعراف والمؤسسات الدوليّة وما يترتّب من قنوات مؤسسيّة موازية؟!

وقصارى القول إن الإضرار بفلسطين وأهلها وقضيّتهم لا يأتي دائماً من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركيّة، رغم ان الكثير من هذا الإضرار يأتي منهما. فالأخوة وأبناء العم قد ينجم عنهم أيضاً ضرر يستحيل تطويق آثاره أو تفاديه. وهل نحن بحاجة الى مراجعة الماضي القريب الذي لم يمض بعد؟

كاتب لبناني

التعليق