إذا لم يخدعك السراب فلأنك لست ظمآن

تم نشره في الاثنين 5 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

تلقى 1500 مشترك في شركة اتصالات خاصة رسائل تخبرهم بفوزهم بجوائز كبيرة في مسابقة حول كأس العالم، وبرغم أن الشركة لم تعلن عن هذه المسابقة ولا عن نتائجها في الصحف فإن الرسائل أحدثث بلبلة كبيرة، وأوهمت عددا كبيرا من الناس بمكاسب وجوائز مالية وعينية ثم استيقظوا من الأحلام الكبيرة على نحو مؤلم لمشاعرهم.

ويجري على نطاق واسع تداول رسالة مزعومة بين إعلاميين موضوعها الفضائيات والأشخاص، يؤكد المعنيون مباشرة بها أنهم لا يعلمون عنها شيئا، ويجد أشخاص كثيرون متعة في نشرها ونقاشها وتبادل الحديث حولها متبوعا بالتحليلات والتوقعات والاستنتاجات دون رغبة في التحري عن وجود واقعة بالفعل يجري تحليلها ومناقشتها.

التطفل والعبث الإلكتروني وما حوله من ثرثرة والرغبة بالظهور بمظهر العارف ببواطن الأمور، ومتعة التسريب من مصادر خاصة ودهشة الإنترنت والتقنية الجديدة تحتاج لمراجعة ووقفة اجتماعية وفردية حتى لا نفقد تماسكنا وثراءنا الروحي والاجتماعي، وحتى لا نبني أفكارنا ومواقفنا وبرامجنا على الأكاذيب، ولاكتساب المناعة الفكرية والروحية أمام التدفق الإعلامي والمعلوماتي والاتصال الهائل إلى درجة الإغراق الذي يجعل المجتمعات والأفراد والبرامج والسياسات عرضة للهشاشة والاختراق والاستدراج.

وعلى المستوى الفردي فإن معظم المشتركين بالبريد الإلكتروني يتلقون رسائل يومية عن جوائز كبرى قد حصلوا عليها في سحب عشوائي أجري بالكمبيوتر، والمطلوب منهم فقط إرسال مبلغ ألف دولار مستردة "إبقى قابلني" أو من أشخاص يزعمون أنهم مسؤولون سابقون أو أبناء مسوؤلين سابقين حول العالم وأنهم يبحثون عمن يغطي حوالات مالية كبيرة مقابل20% من المبلغ.

ويكون الهدف على الأغلب هنا هو بناء قواعد معلومات عن الناس لأغراض التسويق الإلكتروني أو لبيع هذه المعلومات لجهات تعمل في هذا المجال، ولكن لأن الناس مازالت حديثة عهد بالموبايلات والإنترنت فإنها لم تتعود على أساليب النصب السياسي والتجاري الإلكترونية، وربما تحتاج إلى تجارب ومؤهلات نفسية وخبرات عامة لمواجهة هذا التدفق من الحيل، وهي ليست جديدة بالطبع في جوهرها، ولكن ما تبدل هو فقط أدواتها، فالإشاعات السياسية والتجارية والاجتماعية هي قديمة جدا، ووصلت الجرأة في عمليات التسويق وتحصيل المعلومات إلى عمليات اقتحام بيوت الناس وخصوصياتهم، والتذاكي على الناس في عروض لكأس العالم أو الدورات المجانية للأطفال مقابل ملء استمارات عن الأسماء والعناوين والأعمار وغير ذلك مما لا تجد علاقة منطقية تربطه بدورة كمبيوتر أو مشاهدة بطولات كأس العالم.

ويبدو أن لدينا في مجتمعاتنا ميلا لقبول الإشاعات والعروض والمشروعات الجميلة عن الثراء السريع والمفاجئ، من جوائز المسابقات إلى البحث عن الذهب، إلى أفكار ومغامرات عدة يتساوى فيها الجامعيون وغير المتعلمين مما يدل ربما على ضعف بالحساب والرياضيات، أو الانسياق وراء الأحلام والرغبات.

وربما تكون الحالة العامة من الإحباط والفقر والهزيمة تشجع على قبول الأخبار الجميلة والرائعة عن الانتصارات، وعلى أية حال فالناس لن تخسر شيئا سواء كانت هذه الأخبار مما كان ومازال يتداول في أفغانستان وفلسطين والعراق سواء كانت صحيحة أم وهمية، وإذا كان الحال كذلك فسيكون في متابعتها لذة الهرب والنسيان على نحو قد لا يختلف كثيرا عن اللجوء إلى الكحول والمخدرات، وعندما يكتشف الناس الأوهام والخديعة الكبرى فلن تكون الحالة أسوأ مما هي عليه، والواقع أن الناس يخدعون أنفسهم أكثر مما يشغل بخداعهم حكومات ودول في الخارج والداخل.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هذا ما أفعله! (عبدالرحمن السالم)

    الاثنين 5 حزيران / يونيو 2006.
    ما أقوم به أنا شخصياً هو شطب جميع الرسائل الواردة إلى بريدي الإلكتروني المرسلة من مصادر مجهولة لدي فهي إما أن تكون لا أخلاقية أو تسويقية رخيصة الهدف والمضمون أو بهدف مضيعة الوقت؟
    أخي إبراهيم لك خالص شكري وتقديري على تناولك هذا الموضوع لعل النائمين يستيقظون!
  • »تفسيرك النفسي رائع (رشا سلامة)

    الاثنين 5 حزيران / يونيو 2006.
    أستاذ إبراهيم. بداية صحّ لسانك على هالحكي. تفسيرك النفسي رائع لحالة الإحباط التي يعاني منها معظمنا و التي تؤدّي للجري وراء الأحلام أو بمعنى أدقّ الأوهام. كلّ منّا يسلّي نفسه بوهم ما، النفس تعلم أنّه وهم و مطلب صعب المنال و لكنّها لا تجد إلاّ الأحلام في دنيا لا تقابلك غالباً إلاّ بالإحباطات المتتالية .