احتلال الضفة بين الديني والديمغرافي

تم نشره في الاثنين 5 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

شكل احتلال المناطق الفلسطينية بالذات، في حرب حزيران 1967، استكمالا للمشروع الصهيوني الاكبر الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، وهو اقامة كيان لليهود على سائر انحاء فلسطين التاريخية، التي هي ايضا جزء من اسرائيل التوراتية المزعومة، من النيل الى الفرات تقام مملكة اسرائيل.

ففي خريف العام 1947 وافقت الحركة الصهيونية على قرار التقسيم، ولكنها بعد 15 ايار (مايو) من العام 1948، وخلال الحرب احتلت مناطق كانت تابعة للدولة الفلسطينية حسب قرار التقسيم الدولي في حينه، حتى استقر الوضع على ابقاء الضفة الغربية وقطاع غزة خارج الاحتلال، وبعد ان شردت اسرائيل والعصابات الصهيونية مئات آلاف الفلسطينيين، الذين كان قرار التقسيم يقضي ببقائهم في موطنهم الأصلي، تمشيا مع الفكر الصهيوني: أكثر ما يمكن من ارض، واقل ما يمكن من عرب.

فور إطباق السيطرة على المناطق الفلسطينية والعربية المحتلة في العام 1967 نشأ جدل داخلي في المؤسستين الرسمية والصهيونية، بين من دعا الى انسحاب فوري من جميع المناطق، وبين من رفض ذلك واعتبر الاحتلال فرصة لاتمام المشروع الصهيوني، ولكن كلا الجانبين كان يهمهما بالاساس المشروع الصهيوني، ودار الخلاف حول طريقة تطبيقه.

فمن المعارضين لاستمرار الاحتلال كان الزعيم التاريخي لاسرائيل دافيد بن غريون، الذي كان في حينه عضو كنيست، وليس في الحكومة، كذلك أيده بالرأي شريكه بزعامة حزب المباي، الذي اصبح لاحقا حزب "العمل" يتسحاق بن اهارون، ومن خلفهما قطاع واسع في الحزب، الذي كان يتخوف بالاساس من العامل الديمغرافي، بمعنى ان اسرائيل احتلت تلك المناطق وابقت على الغالبية الساحقة من سكانها، واعتبرت هذه المجموعة ان ضم هذه المناطق سيؤثر مباشرة على الغالبية اليهودية في اسرائيل.

فقد قاد بن غريون على مر عشرات السنوات الفكرة الصهيونية بخصوص الارض والشعب، وكان من كبار موجهي سياسة تشريد الشعب الفلسطيني وطرده من وطنه في العام 1948، إلا بن غريون لم يحظ في موقفه من احتلال 1967، باجماع في حزبه الذي قاده على مر السنين، وكان الحزب لا يزال يقود اسرائيل في حينه.

وفي المقابل فإن المعارضين لدعوة بن غريون وامثاله من الصهاينة، اعتبروا ان الاحتلال هو فرصة لضمان عمق جغرافي استراتيجي لاسرائيل، فهي اطبقت على جميع مناطق فلسطين التاريخية، واعتقدت انها ابعدت المقاومة الفلسطينية فيها الى الدول العربية، وابعدت الجيش المصري الى قناة السويس، كما ابعدت الجيش السوري الى عمق كبير، اضافة الى وصولها الى اقرب نقطة لمنابع المياه المهمة في هضبة الجولان السورية.

الضفة الغربية هي المنطقة الأكثر أهمية بالنسبة للحركة الصهيونية واسرائيل، بما في ذلك القوى الدينية التي تتحفظ على الفكر الصهيوني لدوافع دينية اصولية، من باب ان "مملكة اسرائيل تقام بعد مجيء السيد المسيح الى العالم"، بزعم ان الضفة بخاصة القدس وجنوبا حتى الخليل بما في ذلك الصحراء التي يطلق عليها اليهود "اليهودية" تشكل عودة الى مملكة "يهودا والسامرة"، وفور الاحتلال بدأت اسرائيل تضفي طابعا دينيا على كافة تحركاتها الاستيطانية في الضفة، مثل نشر الاستيطان في القدس الشرقية المحتلة، بخاصة في البلدة القديمة، وكذلك الاستيطان في مدينة الخليل، واقامت كنسا (جمع كنيس لصلاة اليهود)، وسيطرت على بعض المناطق الاثرية في الضفة لتنسبها للتاريخ اليهودي في المنطقة.

ولهذا فإنّ احتفاظ اسرائيل بالضفة الغربية اليوم ليس صدفة، فهي انسحبت من صحراء سيناء في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وقبل عشرة اشهر سحبت مستوطناتها من قطاع غزة، أما بشأن هضبة الجولان فإن اسرائيل ضمتها لها في العام 1981، من باب تصعيد الموقف امام سورية، وهناك اصوات صهيونية تدعو صراحة الى الانسحاب من الهضبة، وتستعين بتقارير عسكرية تؤكد ان لا قيمة استراتيجية اليوم للهضبة بعد تطور التكنولوجيا العسكرية.

إلا أنّ الهاجس الديمغرافي لايزال يرافق إسرائيل حتى اليوم، فهذا الهاجس الذي زرعه بن غريون كان ارضية لحركات وافكار عنصرية وارهابية تدعو الى تطهير عرقي للعرب من وطنهم، واليوم تبني اسرائيل كل مخططاتها الاحتلالية في الضفة الغربية على اساس الهاجس الديمغرافي الى جانب العامل الديني.

فقد عاد الجدل حول العامل الديمغرافي الذي ظهر في العام 1967، مرة أخرى في أوج الانتفاضة الفلسطينية الشعبية الباسلة، منذ نهاية العام 1987، التي كانت سببا مباشرا في تحولات جدية في داخل اسرائيل، نظرا لعظمتها الشعبية ونجاحها في استقطاب تعاطف عالمي، أحرج دول عظمى تساندها بشكل اعمى، وتأجج الجدل في مطلع سنوات التسعين من القرن الماضي، وكان احد الدوافع التي دفعت باسرائيل نحو الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والتوجه الى مسار اوسلو.

منذ تلك الفترة وحتى اليوم تظهر تقارير في اسرائيل حول التعداد السكاني في فلسطين التاريخية، وحسب التسمية الصهيونية، "ارض اسرائيل"، وهناك معطيات تؤكد انه حتى العام 2010، ولربما بعده بقليل سيكون عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية، بمعنى مناطق 1948 و1967، اكثر من عدد اليهود في المنطقة نفسها، وهذا أول دافع جعل رئيس الحكومة السابق اريئيل شارون يسارع في الخروج من قطاع غزة، تمهيدا لخطة أكثر خطورة في الضفة الغربية المحتلة، ونراها اليوم من خلال ما يسمى بـ "خطة التجميع" وموجهها الاساسي العامل الديمغرافي، وفي صلبها الفكرة الصهيونية، ومسار جدار الفصل العنصري انما يؤكد هذا النهج.

تدعي اسرائيل اليوم انها امام ابواب مرحلة جديدة، ويقول رئيس الحكومة ايهود اولمرت: انه عند انهاء ولايته بعد اربع سنوات ونصف السنة سيكون الوضع مغايرا لما هو اليوم. بمعنى بعد تنفيذه لخطة التجميع الاحتلالية، التي لا يعرف اولمرت نفسه ما إذا سيكون بقدرته ان ينفذها كليا وان "يعترف" له العالم بالانسحاب الجزئي على انه كلي. لكن اولمرت على يقين ان هذا النوع من التحرك الاحادي الجانب لن ينهي الصراع التاريخي في المنطقة.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

التعليق