فلسطين من شرم الشيخ: هل انتهى مشروع الدولتين؟

تم نشره في الأربعاء 24 أيار / مايو 2006. 02:00 صباحاً

كانت القضية الفلسطينية حاضرة أكثر من غيرها من القضايا في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في شرم الشيخ بين العشرين من أيار الحالي والثاني والعشرين منه. كان مخيفاً ذلك الكلام الذي صدر عن الفلسطينيين الذين شاركوا في المنتدى الذي تنظمه كلّ سنة الهيئة التي تنظّم مؤتمر دافوس.

انعقد المنتدى هذه السنة للمرة الأولى في منتجع شرم الشيخ المصري، بعد ثلاث ندوات استضافتها الضفة الأردنية للبحر الميت، وقاطعها لبنان الرسمي بحجة أن من يذهب الى مثل هذه الندوات "خائن" يطبّع مع إسرائيل. ولذلك، بدا مستغرباً، لبنانياً وعربياً، هذه المرة أن يكون رئيس الجمهورية الممدد له قسراً، رئيس الدولة الوحيد الذي حضر افتتاح المؤتمر!

ساهم الموقع الجديد، أي شرم الشيخ، في إفقاد المنتدى بعض روحه، وربّما ساهمت في ذلك الطريقة المختلفة المعتمدة للتنظيم، وهي طريقة ساهمت في إبعاد المشاركين عن بعضهم بعضاً، الأمر الذي جعلهم لا يلتقون سوى لحضور ندوات كانت في معظمها تكراراً لندوات سابقة. والحقيقة أن الهاجس الأمني لدى المسؤولين المصريين لعب دوراً في جعل المنتدى يدور بطريقة مختلفة عن الماضي. واذا كان من كلمة حقّ تقال، فهي أن السلطات المصرية لم تستطع تجاوز الهاجس الأمني الذي أعطته الأولوية على كلّ ما عداه. ربّما كانت على حقّ في ذلك، خصوصاً أنها الطرف الوحيد القادر على إجراء تقييم واقعي للوضع السائد.

في ايّ حال، سيتبين السنة المقبلة، عندما سيعود المنتدى الى البحر الميّت، أي الى المكان الذي ولد فيه، ما اذا كان "دافوس الشرق الأوسط" فقد زخمه، أم ان المكان والتنظيم وراء تحوّل ندوة شرم الشيخ الى ندوة باهتة عموماً، مع بعض الاستثناءات.

كان بالطبع بين هذه الاستثناءات ظهور السيّد جمال مبارك، نجل الرئيس المصري، في إحدى الندوات، وحديثه عن الإصلاحات بلغة إنجليزية متقنة، بما يؤكد أن لديه مؤهلات كثيرة، من بينها معرفته بما يدور في العالم من جهة، وإدراكه لما تعانيه مصر من جهة أخرى. لكنّ الأهمّ من ذلك أن جمال مبارك بدا متصالحاً مع نفسه، وواثقاً مما يفعله. كذلك، كان هناك الأداء الاستثنائي للرئيس فؤاد السنيورة، الذي كان بين القلائل الذين صفق لهم الحضور من القلب، هذا إضافة بالطبع الى الخطاب السياسي-الاقتصادي للدكتور باسم عوض الله، مدير مكتب جلالة الملك عبدالله الثاني، والذي فرض نفسه على الحضور بجرأته التي بلغت حد الحديث الصريح عن الفجوات والنواقص التي يعاني منها بلده. ولم يتردد عوض الله في الإشارة الى أن ثمة حاجة الى معالجة هذه المشاكل بكلّ شفافية وصراحة بدل الهرب منها. ومثل هذا الكلام الواضح والمختلف عن الكلام النمطي المملّ هو الذي ميّز ندوات المنتدى الاقتصادي العالمي في الماضي. إنه كلام مرتبط الى حدّ كبير بما يدور في العالم، بدل التلطّي بالشعارات الفارغة بغية الهرب من المشاكل الحقيقية.

كان ذلك الإطار العام الذي أحاط بندوة شرم الشيخ التي أتاحت فرصة للتعرف عن كثب على ما يدور في فلسطين هذه الأيام، إذ يبدو واضحاً أنّه لا يمكن في أي شكل التقليل من مخاطر حرب أهلية فلسطينية-فلسطينية بدأت تطلّ برأسها، مع إصرار حماس على أن تكون لديها ميليشيا خاصة بها، تقيم توازناً مع الأجهزة الأمنية التابعة للرئاسة الفلسطينية. ولم يتردد عدد من المسؤولين الفلسطينيين المحسوبين على رئاسة السلطة الوطنية في القول إن الميليشيا التي أنشأتها حماس في غزّة دليل على رغبتها في الاحتفاظ بالسلطة، بغض النظر عمّا يمكن أن تسفر عنه أي انتخابات تجري قريباً.

إضافة الى ذلك، لم يخف المحيطون بالسيّد محمود عبّاس (أبو مازن)، رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، خوفهم من تطورات الوضع في قطاع غزة، وهم يعترفون أوّلاّ بأن حماس قادرة على السيطرة على القطاع عسكرياً لأسباب عدّة، في مقدّمها أنها تمتلك كمّيات هائلة من السلاح والذخيرة والرجال، إضافة الى أن تنظيمها في غزة أفضل بكثير من تنظيم فتح التي لا ينقصها الرجال بمقدار ما ينقصها الانضباط من جهّة، والذخائر من جهة أخرى. وفي ضوء هذه المعطيات، لا يستبعد قياديون فلسطينيون، من القريبين من أبومازن ومن الذين لديهم اعتراضات على عدم مواجهته حماس منذ البداية، أن تقدم حماس قريباً على خطوة تؤدي الى وضع يدها على قطاع غزة، آخذة في الاعتبار أن الوضع في الضفة الغربية مختلف تماماً عن الوضع في غزة، وأن معظم قياديي حماس في الضفة يعرفون طبيعة مجتمعها، وصعوبة سيطرة حركة دينية عليه.

لا يبدو همّ الفلسطينيين الذين كانوا في شرم الشيخ محصوراً في مخاطر الحرب الأهلية، بل إنّهم يشدّدون على أن الوضع الفلسطيني بات مهدداً من أساسه؛ ذلك أن وصول حماس الى تشكيل حكومة من النوع الذي شكّلته، في الوقت الذي رفضت فيه إسرائيل ولاتزال ترفض التعاطي بشكل جدّي مع أبومازن، بل وتضع كل العراقيل في وجهه خدمة لحماس، يطرح سؤالاً في غاية الخطورة: هل انتهى مشروع الدولتين على أرض فلسطين؟ هل انتهى المشروع الوطني الفلسطيني الذي يدعو الى إقامة دولة مستقلّة في الضفة والقطاع، عاصمتها القدس الشرقية، مع رحيل ياسر عرفات؟

هناك فلسطينيون يطرحون مثل هذا السؤال بكلّ صراحة، خصوصاً أن ليس ما يدلّ على أن هناك في حماس (حماس غزة، وحماس الضفة الغربية، وحماس الخارج المرتبطة مباشرة بالمشروع الإيراني) من يريد مواجهة الواقع، والاعتراف بأنّ "الجدار الأمني" الذي تبنيه الحكومة الإسرائيلية يمكن أن يصبح حقيقة في غضون أربعة أو خمسة أشهر.

وحده أبومازن مازال يحاول رؤية بعض التحوّلات الإيجابية في ظلّ هذه الصورة القاتمة. إنه يقول مثلاً، تعليقاً على مصادرة أموال باليورو لفّها حول خصره ناطق باسم حماس وكان يحاول إدخالها الى غزة من دون الإعلان عنها: "إن أحزمة اليورو تظل أحسن من الأحزمة الناسفة"!

الأكيد أن رئيس السلطة الوطنية يعي حقيقة الوضع، ويعي خصوصاً مخاطره، لكن ليس في مقدوره الاستسلام للمشروع الإسرائيلي، بل هو يقاومه من منطلق أن العالم سيدرك عاجلاً أم آجلاً أن هذا المشروع  لن يجلب الاستقرار لأحد، بما في ذلك الى إسرائيل. هل رهانه في محلّه؟ وحدها الأيام المقبلة ستجيب عن مثل هذا السؤال، وستجيب خصوصاً عن السؤال الأهمّ، وهو: لماذا توقفت حماس عن العمليات الانتحارية؟ هل الوصول الى السلطة أهم من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الذي كانت تدّعي في السابق أنّه لا يجدي معه سوى مثل هذا النوع من العمليات؟

كاتب لبناني

التعليق