التجارة الحرة

تم نشره في الاثنين 22 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

لا شك أن كل فردٍ يوظف رأسماله في دعم الصناعة المحلية، يحاول جاهداً أن يوجه تلك الصناعة بحيث يكون لإنتاجها اكبر قيمة ممكنة. إن إنتاج الصناعة هو ما تضيفه للموضوع أو المواد التي اعتمدت عليها أو وُظّفَتْ فيها.  فبالتناسب مع قيمة هذا الإنتاج، كبيرة كانت أم صغيرة، كذلك يكون ربح صاحب العمل. لكن لا يوظف المرء رأسماله في دعم الصناعة سوى من اجل الربح. لذا سيحاول دائماً أن يوظف هذا المال في دعم الصناعة التي يمكن أن يكون إنتاجها بأعلى قيمة ممكنة، أو التي يمكن استبدالها بأكبر كمية ممكنة سواء من المال أو البضائع الأخرى.

ولكن عادة ما يكون العائد السنوي لكل مجتمع من المجتمعات مساوياً تماماً للقيمة القابلة للتبادل للمنتج السنوي لصناعته برمتها، أو إنه بالأحرى مساوٍ لتلك القيمة القابلة للتبادل. وكما يحاول كل فردٍ جاهداً ان يوظف رأسماله في دعم الصناعة المحلية أو أن يوجّه الصناعة التي يمكن أن يكون إنتاجها بأكبر قيمة ممكنة، كذلك من الضروري أن يحاول الفرد ما بوسعه أن يزيد من الإيراد السنوي للمجتمع إلى أكبر قدر ممكن. والواقع أنه بشكل عام لا يقصد أن يزيد من الربح العام، بل إنه لا يعلم مدى الزيادة التي يقدمها. إذ أنه يرمي إلى حماية أمنه الخاص وسلامته، من خلال تفضيله لدعم الصناعة المحلية على الصناعة الأجنبية، ويقصد مصلحته أو فائدته الشخصية فقط عندما يوجه تلك الصناعة بطريقة يمكنها ان تزيد من قيمة إنتاجها إلى أعلى قدر ممكن، وهو بهذا الحال –وفي كثير من الأحوال الأخرى- يكون مقاداً بيدٍ خفية ترمي إلى هدف أو غاية لم تكن قط جزءاً من غايته الخاصة. كما إنه ليس من السوء للمجتمع إن ذلك لم يكن جزءاً من غايته. فمن خلال سعيه وراء مصلحته الخاصة، غالباً ما يزيد من ربح المجتمع بشكل أكثر فاعلية مما لو أنه أراد تنميته وزيادته عن قصد. لم أعرف قط شيئاً جميلاً وحسناً قام به هؤلاء الذين يتاجرون لأجل المصلحة العامة. إنه لنوع من التصنع غير الشائع تماماً في أوساط التجار ولا نحتاج لشيء سوى بضع كلمات لنجعلهم يعدلون عنه.

يستطيع أي فرد من موقعه المحلي أن يحدد أو يحكم بشكل واضح بصدد نوع الصناعة المحلية التي سيكون من المفيد له لو أنه وظف رأسماله فيها، حيث يمكن أن يكون إنتاج تلك الصناعة بأعلى قيمة ممكنة، ويكون في ذلك الحكم أفضل من السياسي أو رجل القانون-إذا ما طلب منهما الاستشارة. إذ أن السياسي الذي يحاول توجيه القطاع الخاص بشأن الشكل الذي عليهم أن يوظفوا رؤوس أموالهم فيه، سوف لن يرهق نفسه بأمور لا تستحق الاهتمام فحسب، بل إنه يدّعي لنفسه سلطة لا يمكن الوثوق بها لا من قبل الأفراد ولا من قبل أي برلمان أو مجلس للشيوخ، وهي سلطة يمكن أن تكون في غاية الخطورة عندما تكون بيد رجلٍ فيه من الحماقة والجرأة ما يكفي لجعله يتخيل أنه مؤهل لممارستها.

إن مصلحة الأمة في علاقاتها التجارية مع الأمم الأخرى هي في أن تشتري بأرخص ثمن ممكن وأن تبيع بأغلى ثمن ممكن، فهي بذلك أشبه بالتاجر في علاقته مع مختلف الناس الذين يتعامل معهم. ولكن من الممكن جداً أن تشتري بثمن قليل عندما تشجع الحرية الكاملة للتجارة جميع الأمم لكي يجلبوا بضائعهم التي لم يتسنَ لها إنتاجها محلياً، ولنفس السبب، يمكن جداً أن ترتفع أسعار البيع عندما تزدحم الأسواق بأضخم أعداد ممكنة للمشترين.

 

إنه من غير الضروري، حتى من مبدأ النظام التجاري المحض، فرض قيود غير اعتيادية على استيراد السلع والبضائع من البلدان التي يفترض أن يكون ميزان التجارة معها ليس بذي منفعة. وعلى كل حال، ما من شيء يمكن أن يكون أكثر سخفاً ولا منطقية من مذهب موازنة التجارة هذا الذي تأسست عليه جميع أنواع القيود آنفة الذكر. عندما تقوم منطقتان بالتجارة مع إحداهما الأخرى، يفترض هذا المذهب أنه إذا ما كان الميزان التجاري عادلاً، فان أيا منهما لن يخسر أو يربح شيئاً، أما إذا مالت كفة الميزان إلى جانب ما، فإنّ هذا يعني أن أحدهما سيربح والثاني سيخسر، بالتناسب مع مقدار انحراف الميزان عن المنتصف. إن كلا الافتراضين خاطئ. فالتجارة التي تُفرض بالمنح الحكومية والاحتكارات يمكن أن تكون – بل هي حقاً– مضرة بالبلد الذي أُسستْ هذه التجارة خدمة لمصلحته، كما سأحاول ان أوضح لاحقاً. ولكن التجارة الخالية من القوة والقيود والتي تنفّذ بشكل طبيعي ومنتظم بين أي بلدين تكون نافعة على الدوام، حتى وإن كانت غير متساوية دائماً لكلا الطرفين.

بمثل هذه الحِكَم، تعلمت الأمم أن مصلحتها تكمن في إفقار جيرانها من الأمم، فقد أُجبرت كل أمة على النظر بعين الحسد لازدهار ورخاء الأمم الأخرى التي تتعامل معها بالتجارة، ويعتبرون ربح تلك الأمم خسارة لها. فالتجارة بين الأمم، والتي ينبغي لها أن تكون طبيعية، هي أشبه بالتجارة بين الأفراد -التي يفترض ان تكون رابطة اتحاد وصداقة–أصبحت أرضاً خصبة للتنافر والعداء.

لم تكن الطموحات الجامحة للملوك والوزراء خلال القرنين الحالي والمنصرم أكثر فتكاً وضرراً براحة أوروبا من الحسد والغيرة الوقحة من قبل التجار والصناعيين. إن ظلم وعنف قادة البشرية شرٌّ قديمٌ قِدم الإنسان نفسه، وأخشى ما أخشاه أن لا يكون هنالك علاجٌ ناجعٌ توفره طبيعة العلاقات الإنسانية. ولكن الجشع الدنيء وروح الاحتكار لدى التجار والمصنِّعين الذين لا هم بقادة البشرية ولا ينبغي لهم أن يكونوا كذلك، لا يمكن تصحيحه وعلاجه أو منعه من إزعاج سكينة الإفراد وهدوئهم، إلا من قبل التجار والمصنعين أنفسهم.

إن روح الاحتكار التي ابتدعت هذا المذهب بالأصل ونشرته لا يمكن ان تكون موضع شك، وهؤلاء الذين قاموا بتدريسها والتبشير بها في بادئ الأمر هم حمقى دون شك، شأنهم شأن الذين اعتنقوها وصدقوا بها. ففي أي بلد كان، تكمن مصلحة غالبية السكان، وكذلك ينبغي لها دائماً، تكمن في قدرتهم على شراء كل شيء بأرخص ثمن ممكن. إن هذا العرض واضح جداً حتى ليبدو من المثير للسخرية أن نبذل جهداً لإثبات صحته، ولم يكن من الممكن التشكيك فيه، ما لم تقم مغالطات التجار والمصنّعين المنحازين بإرباك وتشويش قدرة الفرد على الاستدلال. فتكون مصلحتهم في هذا الأمر على النقيض تماماً من مصلحة أكثرية الناس.

وعلى كل حال، على الرغم من أن غنى الأمم المجاورة أو ثراءها خطر جداً في الحرب والسياسة، نجده مفيداً جداً في التجارة، ففي حالة العدوان، يمكن للثروة ان تُمَكّن أعداءنا من الحصول على الأساطيل وتحشيد الجيوش المتفوقة على أساطيلنا وجيوشنا، ولكن في حالة السلم والتجارة، لابد أن تمكنهم ثرواتهم من تبادل السلع معنا بأسعار مرتفعة، فيستوعبون سوقاً أفضل لمنتجاتنا الصناعية المباشرة أو لأي شيء آخر يمكن شراؤه مع تلك المنتجات. فمثلما يستطيع الغني أن يكون زبوناً أثيراً لدى أصحاب الحرف في منطقته ومفضلاً على الفقير، كذلك هو الحال الأمة الغنية.

 

آدم سميث (1723-1790): فيلسوف واقتصادي اسكتلندي من القرن الثامن عشر، وهذا الفصل هو اقتباس من أشهر أعماله: ”غنى الأمم" The Wealth of Nations.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مصباح الحرية www.misbahalhurriyya.org

التعليق