ثروة الأمم (1/2)

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

أجبر فشل الأشكال المختلفة من الدولانية (نسبة إلى دولة) في العالم الثالث، وإفلاس الشيوعية في الاتحاد السوفييتي السابق والصين، والبطالة المرتفعة الطويلة الأمد، والركود النسبي في دول أوروبا الغربية ذات الأنظمة الاقتصادية المعقدة، أجبر على إعادة النظر في نموذج التنمية، بما يتوافق مع مصلحة السوق والملكيّة الخاصة، وباختصار دولة مُقيِّدة بشكل أكثر.

لكن المعركة حول الأفكار والسياسات مستمرة ولم تنتهِ بعد، وفي الحقيقة إنها لن تنتهي أبداً، إذ إن قوى الدولانية تجتمع من جديد بدلاً من أن تستسلم، ولهذا فإن من المهم تحليل ما هي السياسات الناجحة وتلك التي تفشل للحصول على تقارب ثابت ودائم لإخراج الدول الفقيرة من فقرها.

لقد ذهبت الشيوعية، وهي شكل متطرف من الدولانية، إلى أبعد حد في قمع الأسواق وتجريم الأعمال الحرة، وكانت تكاليف الفرصة البديلة لهذه الحماقة المنظمة ضخمة؛ ففي بولندا على سبيل المثال، انخفض دخل الفرد من حوالي 100% مقارنة بإسبانيا في العام 1950، إلى 40% فقط في العام 1990. ومع انهيار النظام الشيوعي، بدأت تجربة طبيعية كبيرة. فمن خلال النظر إلى نتائجها، ينصدم المرء بالتفاوتات الهائلة بين دول الاتحاد السوفييتي السابق:

- في العام 2004، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع العام 1989 بنسبة 42% في بولندا، و26% في سلوفينيا، و20% في سلوفاكيا وهنغاريا. وعلى النقيض من ذلك، انخفض بنسبة 57% في مولدوفا، و45% في أوكرانيا. ولو شملنا اقتصاد الظل في الحسابات، فإن الاختلافات في الناتج المحلي ستكون أقل، لكنها تبقى كبيرة.

- حققت جميع الأنظمة الاقتصادية الانتقالية تقدماً كبيراً في تخفيض التضخم المالي. وبشكل أفضل، ترافق أداء النمو طويل الأمد يداً بيد مع الانخفاض في التضخم، وهذا يؤكد على أنه في الدول التي ترث تضخماً مالياً كبيراً، تفضي مقاومة التضخم بنجاح إلى نمو اقتصادي طويل الأمد.

- يأتي الاستثمار الأجنبي المباشر عادة بعد نجاح اقتصادي سابق، ويعزز النجاح الاقتصادي المستقبلي. فما بين الأعوام 1989-2003، استقطبت جمهورية التشيك 3700 دولار لكل فرد من الاستثمار الأجنبي المباشر، و3400 دولار في هنغاريا، و1000-2400 دولار في دول البلطيق الثلاث، و1300 دولار في بولندا. أما تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر لكل فرد في أوكرانيا ومولدوفا، فكان فقط 128 و210 دولارات على التوالي!

كذلك، تميل البلدان ذات المردود الاقتصادي الأفضل إلى تحقيق نتائج غير اقتصادية أفضل. فعلى سبيل المثال، وفيما بين الأعوام 1989-2001، ارتفعت كفاءة الطاقة (الناتج المحلي الإجمالي لكل كيلوغرام مما يقابله من النفط)، والتي تمثل مؤشرا هاما على التأثير البيئي، من 2.5 إلى 3.9 في  بولندا، ومن 1.5 (1992) إلى 1.6 فقط في روسيا، بينما انخفضت في أوكرانيا من 1.6 في العام 1992 إلى 1.4 في العام 2001. وارتفع متوسط العمر المتوقع في بلدان وسط وشرق أوروبا، بينما انخفض هذا المعدل في معظم دول اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية. وعلى سبيل المثال، ارتفع في بولندا من 71 إلى 74 عاماً خلال الأعوام 1990-2002، بينما انخفض من 70 إلى 68 عاماً في أوكرانيا. وهناك اتجاهات مشابهة في معدل وفيات الأطفال؛ فما بين الأعوام 1990-2002 انخفض معدل وفيات الأطفال لكل 1000 مولود حيّ من 16 إلى 8 في بولندا، في مقابل اخفاض من 18 إلى 16 في أوكرانيا، ومن 21 إلى 18 في روسيا.

كيف نفسر هذه الاختلافات الكبيرة؟ إذا تحدثنا بلغة النمو في الناتج المحلي الاجمالي، فمن المغري أن نطّلع على الاختلافات في الظروف الأوليّة. فمثلاً، كانت دول البلطيق –إستونيا ولاتفيا وليتوانيا- أكثر اعتماداً على صادراتها إلى نادي الاتحاد التجاري السوفييتي القديم، المعروف اختصاراً بالكوميكون (30%-40% من الناتج المحلي الإجمالي) مقارنة بالدول الشيوعية في وسط وشرق أوروبا (4%-15% من الناتج الإجمالي المحلي). وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي، يمكن لنا أن نجادل أن دول البلطيق قد تعرضت إلى انخفاض أكبر كثيراً في الناتج المحلي الإجمالي.

لكن مثل تلك الاختلافات في الظروف الأولية تستطيع أن تفسّر فقط جزءاً من التباين، وتحديدا خلال الأعوام الأولى؛ فعلى الرغم من الصدمات الأولية الهائلة التي تعرضت لها دول البلطيق، إلا أنها أنجزت على المدى البعيد بشكل أفضل من رومانيا مثلا التي كانت نسبياً أقل اعتماداً على التجارة مع الكوميكون.

الاختلافات في النمو طويل الأمد ناتجة بشكل كبير عن إصلاحات أكثر شمولية موجَّهة نحو السوق، وعن استقرار أكثر نجاحاً في الاقتصاد الكلي. ويدعم هذا الاستنتاج دراسات تجريبية مهمة وجادة.  والدول التي تُدرِك الإصلاحات تميل إلى إدراك النمو كذلك. لنأخذ أرمينيا على سبيل المثال، والتي استطاعت توسعة مجالها في الحرية الاقتصادية، وعملت على تقليل نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى معدلات منخفضة أثناء تقوية النظام المالي لديها. وقد نما ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 70% منذ العام 1996. وقد يكون هذا مؤشراً آخر على أن نموذج الضرائب المنخفضة هو أكثر تحفيزاً للنمو الاقتصادي السريع ممّا هو عليه في الأنظمة التي تقوم بإعادة توزيع واسع لإيرادات الخزينة، كما في نماذج دول شرق أوروبا الكبرى.

وأفضل النتائج الاقتصادية تكون عادة مترافقة مع أفضل النتائج غير الاقتصادية، لأن بعض الإصلاحات تكون حاسمة  لكلتيهما. فعلى سبيل المثال، رفعت الإصلاحات الموجهة نحو السوق مجمل الكفاءة الاقتصادية بشكل كبير، إذ قام كلاهما بتعزيز النمو الاقتصادي، والتقليل من التلوث البيئي. فاستحداث سيادة القانون كان مهماً للتنمية بعيدة الأمد، ولفرض التشريعات البيئية كذلك. فالتحرر الاقتصادي لم يؤد إلى تحفيز النمو فقط، بل جعل الغذاء الصحي أكثر توفراً وأرخص نسبياً.

ليزيك بالسيروفيتش هو رئيس بنك بولندا الوطني، البنك المركزي للدولة.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع مصباح الحرية

www.misbahalhurriyya.org

التعليق