جميل النمري

من يسمع للحكماء؟!

تم نشره في السبت 6 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

شهدتُ الافتتاح في البحر الميت ثم قفلت عائدا إلى عمّان، وملء خيالي هذا المشهد من متحف التاريخ السياسي الحديث.

"مجلس الحكماء" الذي عقد مؤتمره الرابع والعشرون في قصر المؤتمرات على البحر الميت هو أشبه برابطة رؤساء الدول والحكومات المتقاعدين. كان هناك حوالي الثلاثين منهم، بعضهم لا نعرفه، وآخرون شهود كبار على عصرهم. مررت أمام الصف الأمامي وقد غادر الجميع إلا واحدا؛ كان يمسك بعكّاز ويتثاقل في القيام، وعرفت فيه المستشار الألماني "هيلموت شميدت"، القائد البارز في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، والذي ورث عن سلفه ويلي براندت أهمّ ما طبع تلك الحقبة؛ سياسة الـ"أوست بوليتيك"، أو الانفتاح على المعسكر الشرقي، التي فتحت طريق التعاون الدولي، واتفاقيات الحدّ من التسلح النووي.

لكن المعسكر الشرقي زال بقضّه وقضيضه، ومعه كل ملامح تلك الحقبة إلا قضيّة واحدة عابرة للحقب والأزمان! إنها القضيّة الفلسطينية التي لا يقول الزعماء فيها كلمة حق إلا بعد خروجهم من دائرة القرار، أي حين يصبح الضمير حرّا في الشهادة، متحررا من القيود على الحقيقة والعدل.

سألت شخصيّة أردنية عن رأيه، فقال بشيء من الأسى: كل هذا الحشد لا يؤثر في الأحداث بقدر شخص كالزرقاوي! إنهم خارج دائرة التأثير تماما.

مع ذلك، لم أتوقع حتى خروج بيان مؤثر، أو مواقف واضحة بشأن القضايا الراهنة؛ فالتسوية بين هذا العدد والنوع من الحضور ستقود إلى تعابير فضفاضة محايدة غير منحازة، تحوي الكثير من الكلام الطيب الذي لا يقول شيئا. لكن بالنظر إلى ما جاء في البيان الختامي، أستطيع القول أني كنت مخطئا. فقد قال البيان كلمة حق وضمير بشأن القضايا الساخنة المطروحة على جدول أعمال المؤتمر.

دعت التوصيات إلى عدم معاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، وحذّرت من أن الانسحاب أحادي الجانب لن يجلب السلام، كما أكدت على قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل، ودعت إلى دعم مبادرة السلام العربية، وطلبت من الرباعية الدولية اصدار بيان واضح بشأن تنفيذ خريطة الطريق. وبشأن العراق، دعت التوصيات إلى استراتيجية واضحة لخروج قوّات الاحتلال واستبدالها بقوات أمن محايدة متعددة الجنسيات لا تشمل دول الجوار. أما بالنسبة لإيران، فقد أكّدت التوصيات على أن الحلّ العسكري سيمثل خطرا كبيرا على المنطقة والعالم. ومن ناحية أخرى، دعت التوصيات إلى التمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة.

وحول الإسلام والغرب، رفضت التوصيات مفهوم صراع الحضارات والأديان، داعية إلى حوار العدالة والتنمية والحرّية للجميع. ودعت مجلس الأمن إلى تبنّي الإعلان العالمي للمسؤولية الإنسانية الذي اقترحه مجلس الحكماء في العام 1997.

التوصيات ستوزع على الأمم المتحدّة، وقادة الدول الكبرى، وزعماء آخرين. ويهدف المجلس إلى حشد الخبرة والطاقات والمعارف لشخصيات بارزة تولت مسؤوليات رئيسة، لتقديم توصيات ومقترحات لصانعي القرار. لكن تكفي ملاحظة ضعف التركيز الإعلامي على المناسبة لنقدّر محدودية أثرها.

صوت الحكمة الذي يجنب العالم ما هو فيه من كوارث بسبب السياسات الرعناء والظالمة، ظهر واضحا في التوصيات التي اخترنا مقتطفات قليلة منها، لكن من يسمعها من أصحاب السلطة والقرار؟!

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق