د.باسم الطويسي

أيدلوجيا المعلوماتية محليا

تم نشره في الجمعة 5 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

من المعلومات الصادمة التي تفاجئنا حينما نتفحص أحوال البطالة في المدى القريب والمنظور ان الأردن بدأ يعاني من بطالة خريجي تخصصات تكنولوجيا المعلومات والحاسوب وما يرتبط بهما من تخصصات تطبيقية أخرى في مجالات هندسة الحاسوب والبرمجيات وغيرهما، علاوة على ان السنوات الخمس القادمة ستشهد تفاقم هذا التحول في سوق العمل؛ الأمر الذي ينذر بأن هذه التخصصات ستدرج ضمن ما يعرف بمجالات التشغيل الراكدة قريبا. 

فمن الواضح ازدياد الفجوة بين حجم الاستثمار في التعليم في هذه التخصصات وبين قدرة السوق على الاستيعاب، والحقيقة ان هذا لا يعني - بأي شكل من الأشكال- انّ ثمة شكا في جدوى استراتيجية الاستثمار في هذه المجالات بقدر ما يشير إلى اختلالات عميقة في قدرة السوق الأردني على إحداث تحولات حقيقية تستجيب لحقائق الاقتصاد الجديد الذي يهمن على العالم من جهة، وتشير - من جهة أخرى- الى نوعية المعرفة التي زُود بها خريجو هذه التخصصات.

يوجد اليوم في الجامعات الأردنية حوالي 30 ألف طالب وطالبة في تخصصات الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتهما الهندسية. وهذه الأرقام قابلة للتضاعف بشكل سريع، وسينتقل هؤلاء الطلبة إلى سوق العمل خلال أربع سنوات على أكثر تقدير، علما بأنّ جميع الجامعات الأردنية الحكومية والخاصة يوجد فيها تخصصات حاسوبية، وتتنافس كل عام في طرح تخصصات جديدة في المجال نفسه لا تعدو أكثر من مجرد إعادة صياغة للمسميات السابقة.

لا شك بأن قطاع تكنولوجيا المعلومات هو احد الأسس التي بدونها لا يمكن الاستمرار في النهوض لاقتصاد صغير يسعى نحو الصعود في بيئة ذات تنافسية عالية، لكن المشكلة لدينا ان هذا القطاع تم تضخيمه دعائيا وإعلاميا وتحول إلى شكل من أشكال"الايدلوجيا الوطنية" لها شعاراتها وربما أناشيدها أيضا، ولها تعبيرات اجتماعية واضحة، دون ان يصاحب هذا التضخيم إنجازات حقيقية ذات عمق اجتماعي تنعكس على التنمية والتحديث. وعلى الرغم من كون القطاع شهد نموا واسعا وتفوق في بعض المواقع، الا انه بقي نموا غير متوازن، ويفسر هذا الواقع عدم ظهور تحولات عميقة وواضحة في سوق العمل بالمقارنة بين قدرة هذا القطاع على التشغيل، وبين حجم الموارد البشرية المتوفرة او تلك التي في طريقها للتراكم.

 

بمعنى ان القطاع الخاص لم يحدث إزاحة حقيقية نحو المساهمة في تقليص الفجوة الرقمية بين الأردن والدول المتقدمة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تعد اليوم احد أهم مؤشرات الحداثة والتنمية، بل تضخمت عوائد هذا القطاع وقاد اكبر موجة استهلاكية شهدها المجتمع من دون إحداث نقلة موازية في سوق العمل، بينما تضخمت قطاعات أخرى في مجال تكنولوجيا المعلومات على عوائد مبادرات حكومية طوال أكثر من عقد هدفت إلى إحداث تحولات اجتماعية ايجابية في هذا المجال وفي مقدمتها وزارة التربية والتعليم.

في المقابل نالت الادلجة فكرة"الحكومة الالكترونية" ومازالت هي الأخرى قيد الشعارات، الجانب الآخر من المشكلة ان البعض وبالتحديد في القطاع الخاص يطرح مسألة أكثر خطورة بأنهم بحاجة إلى كوادر مؤهلة في هذه التخصصات وما تطرحه الجامعات لا يلائم حاجاتهم. وهذا صحيح إلى حد ما؛ لان موجة الأدلجة المعلوماتية ببساطة نالت بعض الجامعات وأصبحت تسعى إلى التراكم بغض النظر عن النوع، ومن المؤسف ان بعض كليات هندسة الحاسوب ما تزال بعيدة عن التعليم الالكتروني، وبعض الجامعات تسابقت إلى فتح هذه الكليات قبل ان يكون لديها ولو متخصص واحد في التخصصات الدقيقة التي تطرحها.

 

مرور أكثر من عشرين عاما على بدء التدريس في هذه التخصصات، وبعد مرور أكثر من ستة أعوام على التوجه الاستراتيجي نحو هذا القطاع، يستدعي مراجعة جريئة لما تم إنجازه بما يسهم بالفعل بإحداث تحولات نوعية وعميقة في المجتمع نحو بناء مجتمع المعلومات واقتصاد المعرفة، وفق الفهم الموضوعي الذي يعني في ابسط مستوياته ان راس المال المعرفي أصبح بالفعل أهم مصادر "ثروات الأمم " وأحد عناصر قوتها. الأمر الذي يتطلب عدم الخلط بين ارتفاع أعداد المتعلمين والخريجين والقدرة على استخدام وسائط تكنولوجيا المعلومات وبين راس المال المعرفي المرتبط بنوعية المعرفة والقدرة على الانتفاع بها، وقبل ذلك كله إحداث قطيعة مع مرحلة أيدلوجيا المعلوماتية.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق