جنون الأول من أيار

تم نشره في الأحد 30 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

يُعد يوم الأول من أيار 2006 تاريخاً حاسماً بالنسبة لأوروبا، فهو الموعد النهائي لتبني القوانين الوطنية لقرار الاتحاد الأوروبي بشأن حرية الانتقال. لقد غيرت أغلب الدول قوانين الهجرة لديها بالفعل، أو وعدت بأن تفعل ذلك قبل حلول الموعد النهائي. ولم يتخلف عن تنفيذ القرار سوى بلجيكا، وإيطاليا، وفنلندا، ولوكسمبورج.

اختارت بعض الدول الأعضاء القديمة في الاتحاد الأوروبي فرض حظر على هجرة العمالة إليها أثناء فترة انتقالية تم تحديدها في البداية بعامين يمكن تمديدها إلى شهر إبريل/نيسان 2011. لكن هذا الحظر لا ينطبق على المهاجرين الذين يمارسون أعمالاً حرة مؤقتة أو لا يعملون على الإطلاق. فمثل هؤلاء الناس يتمتعون اليوم بالحرية الكاملة في الهجرة.

وعلى الرغم من أن قواعد القرار التي تحكم هجرة الموظفين وأصحاب الأعمال الحرة تكاد لا تختلف عن قانون الاتحاد الأوروبي السابق، إلا أن حقوق الهجرة والضمان الاجتماعي لمواطني الاتحاد الأوروبي من غير العاملين قد توسعت بصورة ملموسة. وطبقاً للقرار الجديد فإن كل مواطن في الاتحاد الأوروبي من حقه الحصول على رخصة إقامة تمتد إلى خمس سنوات في أيٍ من الدول الأعضاء، ثم يعقب ذلك حصوله على الحق في الإقامة الدائمة. من حيث المبدأ فإن هذا من شأنه أن يجعل حتى المهاجرين غير الفاعلين مؤهلين للحصول على إعانات الضمان الاجتماعي، مثلهم في ذلك مثل المواطنين الأصليين.

يشتمل القرار على ضوابط تمنع أو تقيد احتمالات استغلال فوائد الضمان الاجتماعي أثناء السنوات الخمس الأولى، بما في ذلك تقديم ما يثبت تغطية التأمين الصحي، علاوة على شرط يقضي بتقديم ما يثبت امتلاك طالب رخصة الإقامة لمدة تصل إلى خمس سنوات على "الموارد" الكافية. ولكن ليس من الواضح ماذا يعني تعبير "الموارد" هنا. فطبقاً للفقرة التمهيدية من القرار، لا يحق للدولة أن تستشهد بالأصول غير الكافية كسبب لرفض إصدار رخصة إقامة، لأن هذا يُـعَـد تمييزاً غير مقبول.

من الناحية النظرية، لابد وأن يتم تفصيل شرط توفر الموارد وفقاً لظروف كل فرد من المهاجرين. ولكن في الواقع العملي سنجد أن كل المهاجرين مطالبون بإثبات مواردهم المالية سواء في هيئة أصول أو دخل منتظم، بصرف النظر عن الفوارق الشخصية بينهم كأفراد.

مع ذلك فإن المهاجر سوف يتمتع بقدر أكبر من الحقوق حتى أثناء فترة الخمس سنوات. فإذا أصبح معوزاً أو فقيراً بعد حصوله على رخصة الإقامة، فلا يمكن إعادته بصورة تلقائية إلى بلده الأصلي، كما كان ممكناً من قبل. ويتعين على الضمان الاجتماعي في هذه الحالة أن يتيح له خدماته. وهنا يمكن رفض المطالبات "غير المعقولة"، لكن الدولة سوف تتحمل عبء إثبات عدم معقولية هذه المطالبات. كما لا يمكن اختصار مدة رخصة الإقامة بحجة مطالبة المهاجر بالحصول على إعانات الضمان الاجتماعي.

بعد انتهاء فترة الإقامة القانونية لمدة خمس سنوات، يكتسب المهاجر بصورة تلقائية حقاً غير قابل للنقض في الإقامة الدائمة. ولا تستطيع الدولة المضيفة أن تنكر على المهاجر هذا الحق حتى لو لم يكن لديه تأمين صحي أو موارد مالية يتعيش منها. ويصبح للمهاجر الحق الكامل في الانتفاع بكافة الفوائد التي تقدمها الدولة المضيفة لسكانها المقيمين.

سوف تكون حوافز الاستفادة من القرار الجديد قوية بصورة خاصة بالنسبة لدول أوروبا الشرقية. فاليوم يبلغ متوسط الأجور الاسمي في دول ما بعد الشيوعية الثماني حوالي خُـمْـس نظيره في دول غرب أوروبا، وفي كثير من الأحوال يعادل من ربع إلى نصف مستويات الإعانات الاجتماعية في غرب أوروبا. والحقيقة أن الفروق في مستويات المعيشة ليست ضخمة إلى هذا الحد، إلا أنها تشكل إغراءً على الرغم من ذلك. ويصدق هذا بصورة خاصة على بلغاريا ورومانيا، الدولتين المدعوتين إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2007. ذلك أن الأجور الاسمية هناك تعادل حوالي 7% فقط من المتوسط في غرب أوروبا.

كانت أوروبا الغربية عُرضة لثلاثة عقود من الهجرة غير المباشرة إلى دول الرفاهية الاجتماعية، حيث أدت الفوائد الاجتماعية إلى حصول العمالة غير الماهرة على أجور مرتفعة إلى حد مصطنع، كما عملت في ذات الوقت على تغذية ارتفاع معدلات الهجرة، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة. فقد بدأ المهاجرون في مزاحمة المواطنين الأصليين الذين يفضلون الإعانات على الدخول في منافسة مع القادمين الجدد من ذوي الأجور المتدنية. والقرار الجديد بشأن حرية الانتقال يعني الدخول إلى عصر جديد من الهجرة المباشرة إلى دول الرفاهية الاجتماعية في غرب أوروبا.

قد يؤدي كل هذا إلى تآكل دول الرفاهية الاجتماعية ذاتها. ونظراً لعدم رغبة أي من دول غرب أوروبا في استقبال الهجرة الساعية إلى الرفاهية الاجتماعية، ولأنها غير قادرة على التمييز بين مواطنيها الأصليين والمهاجرين القادمين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإن هذه الدول سوف تضطر في النهاية إلى تقليص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها. ومن المتوقع أن تدخل أوروبا في فترة مطولة من الردع التنافسي، ولسوف تتخلى أثناء هذه الفترة تدريجياً عن قيمها الاجتماعية القديمة.

مما لا شك فيه أن القوى السياسية الموازية سوف تمارس ضغوطها من أجل تحقيق الانسجام بين أنظمة الضمان الاجتماعي في أوروبا. وكان الدستور التمهيدي المقترح للاتحاد الأوروبي والذي لاقى الفشل في استفتاءي فرنسا وهولندا في العام الماضي يعبر عن هذا التوجه. ولكن مما يدعو للأسف أن تحقيق الانسجام سوف ينطبق في الأغلب على دفعات بدل الأجر، الأمر الذي يعني ضمناً فرض قيود نظامية على الحد الأدنى للأجر في دول الاتحاد الأوروبي. ونظراً لعدم الانسجام الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يعني على الأرجح تعزيز البطالة.

ما زال الوقت متاحاً لتفادي هذه التأثيرات المروعة. ولكن لكي يتحقق هذا فلابد من تغيير القرار الخاص بحرية الانتقال، بحيث لا يعني حق الهجرة اكتساب حق الحصول على الفوائد الاجتماعية بصورة تلقائية. وإذا ما ظلت الدول المضيفة مسؤولة عن توفير خدمات الضمان الاجتماعي للمهاجرين من غير العاملين، فقد يصبح من الممكن إيقاف تآكل دولة الرفاهية الاجتماعية في غرب أوروبا والذي تتنبأ به نظرية تنافس الأنظمة. لكن هذا يتطلب إحداث تغييرات ملموسة في توجهات السياسات الاجتماعية في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مراجعة وتنقيح الدستور التمهيدي.

هانز – فيرنر سِـن مدير معهد (Ifo) للبحوث الاقتصادية في ميونيخ.

خاص بـ"الغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق