آسيا في العيون الأوروبية

تم نشره في السبت 29 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

      في أواخر القرن التاسع عشر لم تنظر أوروبا إلى آسيا إلا على أنها مصدر للإلهام الفني أوعلى أنها هدف للتوسعات والطموحات الإمبريالية. أما الآسيويون فقد نظروا إلى أوروبا ضمن منظارين مختلفين؛ فمنهم من رآها نموذجاً للحداثة كما فعلت ميجي في اليابان ومنهم من رآها مقياساً للانحلال، كما فعلت الصين. وبعد قرن من ذلك الوقت استطاعت المعجزة الاقتصادية اليابانية أن تغير النظرة الأوروبية ولو فيما يخص جزءاً ضئيلاً من آسيا ليصبح هذا الجزء رمزاً للتطور الصناعي والتقني السريع.

    وفي الوقت الحالي، يحذر رجالات آسيويون بارزون أمثال لي كوان يو القائد السنغافوري السابق، الأوروبيين من مغبة الاستمرار في ما يتبعونه حالياً من نهج، لعلمهم بأن أوروبا ستغدو بعيدة عن كل شيء ما عدا السياحة والاستثمار العقاري بصيغه النهائية، استثمار المستهلك النهائي. وكان رجل أعمال صيني يقضي وقته بين هونغ كونغ ولندن أكثر تحديدياً في هذه المسألة في اجتماع خاص ضم رجال أعمال وقادة سياسيين في باريس قبل أسابيع قليلة من اليوم حين قال: "أصبحتم أيها الأوروبيون أقرب إلى بلدان العالم الثالث، إذ تصرفون الوقت على المواضيع الخاطئة، مثل الدستور والإعانات الاجتماعية وأزمة المعاشات التقاعدية، وتجيبون بطريقة خاطئة منظمة عن الأسئلة التي تسألونها".

   تبدو وجهات النظر الأوروبية حول آسيا بشكل عام والصين بشكل خاص أكثر تعقيداً؛ إذ تتراوح هذه الوجهات بين التعديلات الشفافة للتماشي مع منافس جديد محترم لتصل إلى رفض أيديولوجي صرف للآخر. وفي أيار عام 1968 حلم التلاميذ، أو بعضهم على الأقل، عندما احتلوا الشوارع بخلق عالم جديد، حلموا بصين ماوية، صين تتوسط غمرة ثورة ثقافية قاسية فارغة. كان افتتانهم السخيف المبهرج ناتجاً عن جهلهم بجرائم ماو كما كان نتيجة للملل في مجتمع رغيد تبدو البطالة فيه وجوداً لا وجود له.

   وفي يومنا هذا وعلى النقيض من أسلافهم، ينتقد الورثة النموذج الرأسمالي الصيني علانية. إذ كانت الصين في الأمس القريب نجماً لامعاً مضاداً للرأسمالية يقتدي به الطوباويون الثوريون؛ أما اليوم فقد غدت الصين إلهة الشر التحرري في عيون جيل جديد من الطوباويين الرجعيين المدافعين عن بقاء الحال في أوروبا. إذ لا يرغب المتظاهرون المنتشرون في شوارع باريس من الطلاب بأن يتشبهوا لا بالصينيين ولا بالهنود؛ لا بل إنهم يرفضون منطق العولمة من أساسه ويرفضون أن يتنازلوا عن ضمانات اجتماعية دفعوا ثمنها غالياً.

   ولكن النخبة الاقتصادية الأوروبية تنظر إلى الصين والهند بشكل مختلف تماماً. إذ إنها تعي تماماً بأن نظرتها الحالمة "ما بعد الاستعمارية" إلى هذه البلدان على أنها أسواق ضخمة للتصدير ومخازن ممتازة لليد العاملة الرخيصة إنما هي نظرة أكل الدهر عليها وشرب. لقد غدت الصين والهند بلداناً منافسة تستحق الاحترام إن لم نقل تستحق الرهبة. إذ قاربت مستويات الجودة والتكاليف وأوقات التسليم في صناعة السيارات الآسيوية، على سبيل المثال، مثيلاتها من المستويات الأوروبية.

   

    طبعاً لا بد لنا هنا بأن نقول بأن أوروبا مازالت سباقة فيما يخص العلوم الصرفة والصناعات الدوائية، ولكن ظهور الشركات التي يتماشى ما تقدمه مع المستويات العالمية وخصوصاً في الهند يزيد من قدرتها على توظيف خريجي هارفارد ومثيلاتها مع الاستمرار في تأمين اليد العاملة الرخيصة، وبالتالي تأمين تنافسية عالمية أعلى.

   للأسف، وعلى الرغم من إدراك القادة الأوروبيين للتحديات الآسيوية، إلا أنهم فشلوا في توظيفها كأداة تقييم واقعية لآلية العولمة المغرية أو كدعوة للسلاح بمفهومه الاقتصادي والاجتماعي. في الحقيقة، لا يمكننا أن نقول إلا بأن السياسيين الأوروبيين، بغض النظر عن بعض الاستثناءات، مثل توني بلير، كانوا بطيئين في تعديل نظرتهم العالمية للتماشي مع التغير الثوري الحاصل في آسيا. لقد فشل السياسيون الأوربيون محاصرين بفقرهم للرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى وهوسهم بالمصالح القريبة في الفوز باحترام منافسيهم الآسيويين.

   بالطبع، ورغم فشل القارة الكبير في دفن ماضيها وفي إغلاق الأبواب في وجه أشباحها الاشتراكية، غالباً ما يعتبر الاتحاد الأوروبي نموذجاً للتسامح والسلام والازدهار في عيون الآسيويين. ولكن هل ستستمر هذه النظرة طويلاً في حال استمر أداء أوروبا بالانحدار؟ قد ينظر الآسيويون عندها إلى النموذج الأوروبي على أنه نموذج سياسي لفينيسيا: مكان يزار بحنين لعظم ماضيه وبإعجاب بجودته المتحفية.

دومينيك مواسي ، مؤسس ومستشار أعلى في المعهد الفرنسي للعلاقات العالمية، وهو حالياً بروفيسور في جامعة أوروبا في ناتولين، وارسو.

الحقوق محفوظة لـ Project Syndicate  2006.

www.project-syndicate.org

ترجمة حارثة يوسف.

التعليق