حول الأخطاء الأميركية في العراق

تم نشره في الأحد 16 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

لا حاجة إلى جهد كبير لاكتشاف أن الإدارة الأميركية التي خططت لغزو العراق ونفذت خطتها، صارت في حاجة إلى عملية إعادة  نظر شاملة  في سياستها العراقية من جهة، وفي الذيول التي نجمت عن هذه السياسة من جهة أخرى، خصوصاً على الصعيد الإقليمي.

إلى ما قبل فترة قصيرة، أي ثلاث سنوات، كان في الإمكان الحديث عن ضرورة اقتصار المراجعة الأميركية على العراق وعلى السياسة الواجب اتخاذها من نظام صدّام حسين، بما في ذلك كيفية إسقاطه، من دون السقوط في فخ اعطاء انتصار مجّاني للنظام الإيراني وخلق معطيات جديدة في المنطقة بعد إخراج العراق من المنظومة الأمنية العربية.

الآن، بعد ثلاث سنوات على سقوط بغداد، لم يعد كافياً أن تعيد الإدارة الأميركية النظر في سياستها العراقية. بات مطلوباً منها أكثر من أي وقت البحث عن مقاربة مختلفة تشمل المنطقة كلّها. فالفشل الأميركي ليس فشلاً في العراق بمقدار ما إنه فشل إقليمي أدى إلى خلل كبير في التوازنات، ما يدعو إلى التساؤل لماذا فشلت الخطة الأصلية للإدارة الأميركية في العراق؟

يبدو الجواب عن هذا السؤال في غاية البساطة؛ يتلخص بأن الإدارة الأميركية رفضت الأخذ بنصائح أهل المنطقة الذين حذّروها مراراً وتكراراً من المغامرة العسكرية في العراق. ألم تكن هناك نصائح من هذا النوع صدرت مباشرة عن رجل حكيم وعاقل يسعى الى تكريس الاستقرار في المنطقة هو الملك الشاب عبدالله الثاني الذي لم يتردد في دعوة الأميركيين إلى النظر بطريقة مختلفة إلى ما يمكن أن يترتب على اجتياح العراق؟

لم تنفع النصائح، بل ازداد الرئيس بوش الابن تعنّتاً، معتبراً أنه اتخذ قراره النهائي في شأن العراق، مؤكّداً صيف العام 2002 أن لا تراجع عن قرار الحرب وأنّه "قرر التخلص من الرجل الذي اسمه صدّام حسين".

من يريد التأكد من حجم الأخطاء الأميركية في العراق، يستطيع العودة الى تقرير صحافي موثّق وطويل صدر في 19 تشرين الأوّل- أكتوبر 2004. في ذلك اليوم نشرت صحف "نيويورك تايمز" تفاصيل ما حصل في 16 نيسان- أبريل 2003 في بغداد لدى وصول الجنرال تومي ر. فرانكس، قائد المنطقة الوسطى الأميركية وقتذاك، إلى العاصمة العراقية بمناسبة مرور أسبوع على سقوطها بسهولة لم يكن يتصوّرها الأميركيون أنفسهم.

نزل الجنرال فرانكس من طائرة النقل العسكرية في مطار بغداد رافعاً قبضته في الهواء ثم توجّه الى إحدى استراحات صدّام في منطقة أبوغريب ليلتقي القيادة العسكرية الأميركية. كانت القيادة اتخذت من تلك الاستراحة مقرّاً لها. وفي لقائه مع كبار القادة العسكريين، قال قائد المنطقة الوسطى التي أشرفت على العمليات العسكرية في العراق، أن الوقت حان لوضع خطط الانسحاب من البلد. وأوضح أن على القوات المقاتلة أن تكون على استعداد لمباشرة الانسحاب من العراق في غضون ستّين يوماً، وفي حال سارت الأمور كا يُفترض، ستخفض الولايات المتحدة عدد قواتها من 140 ألف جندي إلى ثلاثين ألف بحلول أيلول- سبتمبر2003. وهذا يعني أنه لن تعود في العراق بعد أيلول 2003 سوى فرقة عسكرية واحدة. وكشف فرانكس أن الرئيس بوش أعدّ خطة تقضي بإرسال أربع فرق عسكرية من دول الحلف الأطلسي ومن دول عربية بغية لعب دور المحافظة على السلام في العراق وذلك من أجل المحافظة على الاستقرار في البلد وتسهيل الانسحاب الأميركي منه.

أدى تراكم الأخطاء الأميركية إلى دخول البلد حرباً أهلية ليس معروفاً هل يستطيع الخروج منها أم لا؟ أفلتت كل أنواع الغرائز، خصوصاً تلك ذات الطابع المذهبي. ومن ينكر حالياً وجود عمليات تطهير ذات طابع عرقي في العراق، إنما لا يريد الاعتراف بحقيقة ما يدور في البلد، فيما القوات الأميركية تتفرّج وفيما الشكوى مستمرة من أن المغامرة العسكرية في العراق كانت تحتاج إلى عدد أكبر بكثير من القوات التي استخدمت، أقلّه من أجل السيطرة على الحدود مع إيران وسورية.

لا شكّ أن العراق صار مشكلة كبرى للإدارة الأميركية التي كان عليها التفرّج مكتوفة على نمو النفوذ الإيراني في البلد بفضل الميليشيات الشيعية التابعة للأحزاب المذهبية التي تدرّبت عناصرها في إيران ودخلت إلى العراق في موازاة دخول القوات الأميركية. وعلى الإدارة الأميركية التفرّج في الوقت ذاته على اندفاع أهل السنّة العرب، الذين يخشون من عملية التهميش المنظمة التي يتعرّضون اليها، نحو التطرف الديني. وهل يمكن وصف العمليات الانتحارية التي تستهدف مدنيين بشيء آخر غير كلمة الإرهاب؟

وما قد يكون أخطر من ذلك كلّه، أنه بات على الإدارة الأميركية أن تعالج المشكلة التي يطرحها النظام الإيراني ليس عبر برنامجه النووي فحسب، بل عبر تأكيده يومياً أنه مصرّ على أن يكون أيضاً القوة الإقليمية المهيمنة في الشرق الأوسط، من الخليج... إلى العراق... إلى سورية ولبنان! هل كان ذلك ممكناً لولا سلسلة الأخطاء الأميركية التي ارتكبت في العراق؟

نعم، لقد تغيّرت خريطة الشرق الأوسط. تغيّرت التوازنات جذرياً منذ زوال خط الحدود بين العراق وإيران، وهو خطّ كان يصفه الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران بأنه خط "تاريخي" يفصل بين حضارتين عظيمتين، الحضارة العربية والحضارة الفارسية.

هناك ميل أميركي واضح لم تعبّر عنه الإدارة بشكل رسمي حتى الآن، يدعو إلى معالجة المشكلة التي يطرحها النظام الإيراني بالوسائل العسكرية. عندئذ، تكون حرب العراق جرّت حرباً أخرى. من الآن، لا بدّ من التحذير من أن مثل هذه المعالجة ستجر مزيداً من الكوارث على المنطقة. ومن هذا المنطلق، من الأفضل لإدارة بوش الابن الاستماع مبكراً إلى الذين يدعون إلى تفادي استخدام القوة وإلى السعي إلى استنفاد كلّ الوسائل الدبلوماسية قبل اللجوء الى السلاح.

هل هناك سبيل الى ذلك؟ الجواب أن ذلك ممكن. هناك بكلّ بساطة طرح منطقي للنائب الأوّل لرئيس الوزراء القطري الذي دعا قبل أيام من الدوحة الى حلّ لمشكلة البرنامج النووي الإيراني عبر اتفاق دولي يجعل المنطقة كلّها خالية من الأسلحة النووية، ذلك أن هناك، شئنا أم أبينا، ازدواجية في التعامل الدولي مسائل مرتبطة بإسرائيل. كيف يمكن التغاضي عن إسرائيل التي تمتلك عشرات، حتى لا نقول مئات القنابل النووية والتركيز على إيران وحدها. أليس طبيعياً البحث عن مخرج من الأزمة الراهنة من خلال زاوية أوسع هي زاوية ابعاد الأسلحة النووية عن المنطقة كلّها؟

سيتوجب على الولايات المتحدة أن تختار قريبا وربّما قبل نهاية السنة الحاليةً: هل في استطاعتها التعايش مع إيران نووية تعتبر الجنود الأميركيين في العراق رهائن لديها، أم ستذهب بعيداً في سعيها الى معالجة أخطاء حرب العراق بواسطة حرب أخرى؟

هل يترك النظام الإيراني مجالاً لمثل هذه المعالجة أم يعتقد أن عليه جرّ الأميركيين الى مواجهة لا يمكن، في ضوء قناعاته، الاّ أن يخرجوا خاسرين منها. مواجهة تدور في منطقة حساسة جداً ليس بالنسبة الى أميركا وحدها، بل لأوروبا وكلّ العالم الصناعي من الصين الى الهند الى اليابان.

في النهاية لا شيء يوازي اللامنطق الأميركي في التعاطي مع قضايا المنطقة سوى ذلك المنطق الذي يعتمده المتشددون في النظام الإيراني الذين يعملون يومياً من أجل استدراج أميركا وأوروبا الى مواجهة... إنهم يعتقدون أن أميركا غرقت في الوحول والرمال المتحركة العراقية وأنه آن أوان إلحاق هزيمة نكراء بها وأن الفرصة المتوافرة حالياً قد لا تتكرر مستقبلاً! وحده الوقت كفيل باظهار ما إذا كانت هذه النظرية في مكانها.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق