الشغب في فرنسا

تم نشره في الأربعاء 5 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

خرج اكثر من مليون شخص في فرنسا إلى الشوارع مؤخرا للاحتجاج على محاولات حكومتهم المحافظة تغيير قانون العمل في البلاد. ويجري النظر في الولايات المتحدة الاميركية إلى هذه الاضرابات والاحتجاجات عموما بوصفها مثالاً آخر على فشل فرنسا في مواكبة واقع "الاقتصاد المعولم".

ووفق الحكمة التقليدية في الولايات المتحدة فإنّ "اوروبا القديمة" بحاجة إلى اصلاح اقتصادي جدي. لكن السؤال الذي يمكن طرحه حاليا هو: هل تعمل الاصلاحات المدرجة راهناً على الأجندة السياسية الاوروبية على المساعدة فعلياً في تحسين أوضاع معظم الاوروبيين؟

إنّ واحدة من الاصلاحات الموصى بها هي إحداث"مرونة أكبر في سوق العمالة". وهذه هي الطريقة التي يقول بها رجل اقتصاد إن الأمور يجب ان تكون اسهل فيما يتعلق بتسريح الموظفين، وانه يجب ان يكون هناك انظمة تقاعدية عامة وتعويضات بطالة أقل سخاء وضرائب أقل على الرواتب.

لقد اقترحت الحكومة الفرنسية السماح لجهات التوظيف بتسريح الموظفين تحت سن السادسة والعشرين دون ابداء الأسباب. وقد لا يبدو ذلك للأميركيين غريبا؛ نظرا لانه يسمح عموما لجهات التوظيف بموجب القوانين الاميركية بتسريح اي موظف دون ابداء الاسباب. لكن هذا ليس واقع الحال في معظم الدول الاخرى ذات الدخل العالي.

وتدعي الحكومة بأن جهات التوظيف ستوظف اشخاصا اكثر اذا كان من السهل عليها التخلص من غيرهم. وعليه، فإن البطالة - خاصة في صفوف العمال الشباب - ستنخفض. لكن البحث الاقتصادي المتوفر يقدم نزرا يسيرا من الدلائل المؤيدة لهذا الطرح او لا يقدم أي دليل على الإطلاق.

فعلى سبيل المثال، ليست هناك علاقة بين حجم حماية التوظيف في الدول المختلفة وبين معدلات البطالة فيها. وفي حين أنّ معدل البطالة في فرنسا عال يبلغ 9.2 %، فإن هناك عددا من البلدان التي تمتلك مستويات عالية من الحماية في سوق العمل ومستويات منخفضة من البطالة، بما فيها النمسا (5.2 %) والدنمارك (4.4 %) وايرلندا (4.3 %) وهولندا

 (4.6%) والنرويج (4.5 %).

يبدو ذلك معقولاً اذا ما فكرنا فيه من منطلقات اقتصادية. اولا: انها ليست مثل ان جهات التوظيف لا تستطيع تسريح الناس في فرنسا او اي مكان آخر في اوروبا، إذ إنّ عليهم فقط أن يوضحوا السبب. وهم قد يفضلون النظام الأميركي لكن إذا كانت هناك فرص مربحة للتوسع فإنهم سيوظفون مزيدا من العمال.

إن مستوى بلد معين فيما يتعلق بالتوظيف والبطالة عادة ما تكون له علاقة بالطلب الكلي على السلع والخدمات التي ينتجها العاملون اكثر مما له صلة بالقواعد والمزايا التي تؤثر على جهات التوظيف الفردية. فلماذا نجد معدل البطالة لدى الدول الاوروبية ذات الدخل العالي يقف حاليا عند 8.4 % والأعلى منه ذلك المعدل الذي يناظره في الولايات المتحدة والبالغ حاليا 4.8%؟

إن أحد الاحتمالات هو ان البنك المركزي الاوروبي قد حافظ على اسعار الفائدة اعلى مما كانت عليه في السنوات الأخيرة. وفيما تباطأ الاقتصاد الأميركي في عام 2001، فإنّ مجلس الاحتياط الفدرالي الأميركي قام بخفض اسعار الفائدة بقوة الى واحد% في عام 2003 وجعلها منخفضة لثلاث سنوات خلال توسعنا الاقتصادي الحالي.

وكان البنك المركزي الاوروبي ابطأ في خفض معدلات الفائدة التي اخذ برفعها هذه السنة بالرغم من ركود النمو وتضخم بلغ معدله 2.3%.

إن الفكرة القائلة بأن حماية حقوق العمل هي السبب وراء البطالة الاوروبية هي جزء من اجمالي خرافة تفيد بأن الاوروبيين سوف يستفيدون من اقتصاد اكثر قرباً من الطريقة الاميركية. ويذكر ان الاقتصاد الاميركي هو اكثر تنافسية، لكن لدينا عجزاً تجارياً قياسياً في حين ان الاتحاد الاوروبي يتمتع بفائض تجاري.

من المفترض ان يكون الاقتصاد الاميركي اكثر ديناميكية. لكن الانتاجية الفرنسية هي اعلى من انتاجيتنا. كما أن نفقات التقاعد العامة لديهم والدراسة المجانية في الجامعات ووجود عطل اطول(بين اربعة وخمسة اسابيع في مقابل اسبوعين في الولايات المتحدة)، إضافة إلى توفر رعاية يومية بإشراف حكومي ومزايا اخرى، كل ذلك يذكر بأنها غير قابلة لتقديمها في إطار"اقتصاد عولمي". لكن، ونظرا لان هذه الأمور كانت ممكنة التقديم في سنوات مضت، فإنه ليس هناك من منطق اقتصادي يجعلها اقل من ذلك اليوم مع نمو الانتاجية - بغض النظر عما يحدث في الهند او الصين -. ويبدو ان الطلبة والعمال الفرنسيين يمتلكون تفهما افضل لهذه القضايا الاقتصادية قياسا مع زعمائهم السياسيين. ولهذا، فإن من المؤمل ان تسود حكمة الجماهير.

خاص بـ"الغد" خدمة كي. ار. تي

التعليق