قمة الخرطوم: لا بد من الإقرار بالعجز أولاً

تم نشره في الأحد 26 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

إنها فضيحة بكل معنى الكلمة كشفتها السنوات الثلاث الأخيرة التي مضت أي منذ الاحتلال الأميركي للعراق. انها فضيحة مستمرة تلخص الى أبعد الحدود حال العجز العربية التي لا مفر من الاعتراف بها أذ ان المطلوب نجاح قمة الخرطوم. والاعتراف بالعجز أي بالواقع الأليم الذي تمر به الأمة خطوة أولى على طريق الخروج من الأزمة عبر طرح السؤال الأساسي الذي يتلخص بالآتي: ما الذي يمكن عمله وما الذي لا يمكن عمله؟ وفي النهاية هل هناك ما يمكن عمله عربياً على أي صعيد من الصعد، أكان ذلك في العراق أو في فلسطين أو في لبنان؟

   لا يمكن تجاهل أن في مثل هذه الأيام من العام 2003، كانت القوات الأميركية في طريقها الى بغداد في ظل صمت عربي مطبق. كان جميع العرب على علم بأن الأميركيين سيشنون حرباً تستهدف اسقاط النظام العراقي. للأسف الشديد انعقدت قمة في شرم الشيخ للبحث في كيفية تفادي حرب يستحيل تفاديها.

   كان على العرب وقتذاك البحث عن حلول في حين أن كل من له علاقة بالساسة يدرك أن القمة العربية غير قادرة على ايجاد حلول. حضر القمة ممثلون لنظام صدام حسين دخلوا في مواجهات مع العرب الآخرين. وبدل البحث في المستقبل وفي ما يجب عمله في مرحلة ما بعد سقوط النظام العائلي- البعثي الذي قضى على النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي، تمهيداً لانفلات الغرائز الذي نشهده اليوم بفضل العبقرية الأميركية.

   ما الذي جناه العرب من المزايدات؟ لا شيء على الاطلاق. كل ما فعلوه أنهم فوتوا على نفسهم فرصة الجلوس حول طاولة بمعزل عن ممثل لصدام حسين والتداول في الوضع العراقي وبالمصائب التي يبدو البلد مقبلاً عليها، وهي مصائب من النوع الذي لا يمكن الا أن تكون لها انعكاسات على المنطقة كلها.

   يكفي أن ما حصل في العراق كان بداية التنفيذ للقرار الأميركي القاضي بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. حصل ذلك بالفعل فيما العرب يتفرجون. استطاعت أيران ملء الفراغ الذي صنعه الأميركيون في العراق وما زال العرب في موقف من يتفرج، غير مصدقين ان الحرب الأهلية ذات الطابع المذهبي قطعت شوطاً كبيراً في اتجاه واضح هو تقسيم العراق بعد تفتيته وتفكيكه.

   هل من يريد أخذ العلم بما يحصل في العراق؟ الجواب الى الآن هو أن ليس هناك من يريد ذلك باستثناء قلة من الزعماء العرب حذروا في الماضي وما زالوا يحذرون من عواقب ما يدور في العراق وحوله. والحقيقة، اذا استثنينا هذه القلة، فلا وجود لمن يريد الاعتراف بأن على القمة العربية البحث فيما اذا كان في الإمكان عمل شيء لوقف الحرب الأهلية في العراق، بدل الحديث عن احتمالات تفاديها.

   أكثر من ذلك، هل لا يزال في الإمكان البحث في موقف عربي مشترك من العراق، أم أن أوان اتخاذ مثل هذا الموقف فات خصوصاً أن العشرات يُذبحون يومياً في مناطق عراقية مختلفة ولا ذنب لأي من هؤلاء سوى الانتماء الى هذا المذهب أو ذاك.

   الآن صار مستقبل العراق يناقش بين الولايات المتحدة وإيران التي تُعتبر الرابح الأول من الحرب الأميركية على العراق. هل تمتلك القمة العربية ما يكفي من الجرأة للتطرق الى هذه المسألة؟ هناك مستقبل دولة عربية، أو كانت عربية (!)، يُبحث بين أميركا ودولة غير عربية. أوليس ذلك ذروة العجز العربي أم ان المطلوب تغطيته بشعارات فضفاضة تفادياً للاعتراف بأن المهم في هذه المرحلة السعي الى مواجهة الواقع كما هو في حال كان هناك من يريد تفادي تكرار تجربة العراق في أماكن أخرى. والمعني بهذه الأماكن لبنان وفلسطين.

   هل يجوز للقمة العربية الا تتخذ موقفاً واضحاً حيال الظلم الذي تعرض وما زال يتعرض له لبنان؟ هل يجوز أن يكون هناك من يدعو إلى تساو بين القاتل والضحية، وكأن المطلوب أن ترضى الضحية وألا يرضى القاتل؟ سؤال يفترض بالقمة الإجابة عنه في حال كان هناك من يريد الاستفادة من درس لعراق، أقله من زاوية رفض السكوت عن الارتكابات التي تحصل في حق لبنان واللبنانيين، على غرار السكوت في الماضي عما ارتُكب في حق العراق والعراقيين.

   هناك سؤال آخر لا بد من مواجهته هو البرنامج السياسي للحكومة الفلسطينية الجديدة التي شكلتها "حماس". إنه برنامج يتعارض مع مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت للعام 2002 هل تستطيع القمة العربية التحذير من المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية في هذه المرحلة بالذات حيث صار هناك تعارض واضح بين البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يتفق مع ما أقرته قمة بيروت من جهة والبرنامج الذي اعتمدته حكومة "حماس" من جهة أخرى.

   لا بد من موقف عربي واضح في هذا المجال. من دون هذا الموقف، تبدو أسرائيل قادرة على تحقيق مزيد من المكاسب على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. من دون هذا الموقف لن يكون بعيداً اليوم الذي سيصبح ممنوعاً على العرب التعاطي في الشأن الفلسطيني من قريب أو بعيد تماماً مثلما صاروا أبعد الناس عن الموضوع العراقي، علماً بأنه يطرق أبوابهم يومياً!

   هل من يريد التعاطي مع الوضع غلى حقيقته، فيبدأ بالقرار بالعجز أم أن المطلوب قمة عربية أخرى تعالج كل شيء ما عدا المشاكل الحقيقية التي تواجه المنطقة؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق