الحالة الفلسطينية إلى أين؟

تم نشره في الاثنين 20 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

يعكس الجدل القائم حول بيان الحكومة التي يتم تشكيلها بقيادة حماس خلطا في الاولويات وانفصاما خطيرا بين الجدل السياسي الفلسطيني والواقع السياسي المتدهور في الاراضي الفلسطينية.

فالجدل منصب على فشل بيان حكومة حماس بالالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل، الامر الذي يرى فيه السياسيون المقربون من السلطة ومن حركة فتح وآخرون على انه انقلاب سياسي خطير، وحتى نقض للقوانين الدولية، اما الواقع، فإن القوى الكبرى الرئيسية خاصة اميركا وبريطانيا لم تتخل فقط عن الاتفاقات، بل انتقلت الى الدعم المعلن وغير المشروط للهدف الاسرائيلي المعلن بفرض حل نهائي احادي الجانب ليس له علاقة بالاتفاقيات او المواثيق الدولية.

فالتواطؤ الاميركي – البريطاني مع الاقتحام الاسرائيلي لسجن اريحا، لم يمثل حالة منفردة او معزولة بل جاء ايذانا ببدء حالة جديدة تطلق يد اسرائيل بحرية لترتيب اوضاعها، وتنفيذ هدف حزب كديما المعلن برسم حدود نهائية لاسرائيل بحلول عام 2010 دون الحاجة الى مفاوضات او اتفاقات مع الفلسطينيين. وتفترض المعادلة الجديدة أن اسرائيل، ممثلة بحزب كديما، هي اللاعب الوحيد بعد إخراج الشريك الفلسطيني من المعادلة، ومستغلة فوز حماس لإعفاء اسرائيل وبريطانيا واميركا من التزاماتها حتى الصورية منها.

الموقف الاميركي ليس بجديد تماما، لكن التواطؤ البريطاني بهذا الشكل الفاضح له علاقة بتدهور الوضع في جنوب العراق والخوف على بريطانيا من نشوء مقاومة شيعية ضد قواتها بدعم من ايران. بالتالي، فإن اعطاء كديما ضوءا اخضر للتحرك الامني والعسكري والسياسي، لكبح تحرك حماس متذرعة بفشل السلطة الفلسطينية تستطيع لندن ان تكسب به الوقت لإدارة ازمتها في العراق.

أي ان كديما اصبح الحصان الفائز الذي تحرص عليه اميركا وبريطانيا بعد ان نجح الحزب في تصوير نفسه على انه منقذ اسرائيل والسلام معا، وانه استطاع  نقل الاجماع الاسرائيلي من اليمين الى الوسط. وواشنطن ولندن لا تهتمان بما يعنيه هذا الوسط من تبعات على الفلسطينيين، الواقع ان حزب كديما نقل الاجماع الاسرائيلي الى اليمين وليس الى الوسط، ولكنه الظاهرة الاسرائيلية الوحيدة التي استطاعت بفضل شارون تصوير برنامج سياسي يميني على انه يمثل الاعتدال والوسطية.

فضم قسم من الضفة الغربية، بالاضافة الى القدس الشرقية لاسرائيل، ليس اكثر من تفصيل تافه بالنسبة للمصالح الاميركية والبريطانية، ما دام هذا البرنامج يحظى بصفة الاعتدال والوسطية، فوفقا للسيناريو الذي بدأت أبعاده تتضح، فإن إلهاء العالم بمواجهة يبن الاعتدال الاسرائيلي، الساعي الى ارساء السلام، والتطرف الفلسطيني المتمثل بحماس يوفر غطاء لسياسة خطيرة تتمثل بفرض الواقع الاسرائيلي، ما يعطي فرصة لأميركا وبريطانيا للتركيز على محاولاتهما السيطرة على الوضع في العراق.

أي ان فوز كديما اصبح هدفا ومصلحة بريطانية- اميركية، وتواطؤهما مع خطف اسرائيل لأحمد سعدات ورفاقه ليس الا تدعيما لمصلحة بريطانية اميركية مشتركة مع الحزب الاسرائيلي لضمان فوز كديما في الانتخابات الاسرائيلية القادمة.

الصحف الاسرائيلية كشفت، ومن خلال تفاصيل في مقالات عدة، عن التحضيرات والاتصالات التي ادت الى اقتحام سجن اريحا، ولعل اهم هذه المعلومات التصميم البريطاني العنيد على سحب مراقبيها من سجن اريحا، كما عبرت عن ذلك الرسائل التي ابلغتها للحكومتين الاسرائيلية والفلسطينية، وان كانت لم تبلغ السلطة الفلسطينية بموعد تنفيذ هذا القرار.

الرسالة البريطانية الى السلطة الفلسطينية اقتصرت على انذار بسحب البريطانيين، اذا لم تستجب السلطة الى احداث تغييرات في ادارة السجن، مثل تنظيم الزيارات للمعتقلين ومنع التلفونات الخلوية والمقابلات الصحافية. لكن الرسالة البريطانية للسلطة الفلسطينية لم تعكس طبيعة الاتصالات والتفاهم بين اسرائيل وبريطانيا، بخاصة ان اسرائيل كانت قد ابلغت بريطانيا عن عزمها ارسال الجيش الاسرائيلي الى سجن اريحا فور انسحاب المراقبين الاميركيين والبريطانيين لملء الفراغ على حد تعبيرها، وانه سيتم سحب المراقبين في موعد اقصاه الخامس عشر من الشهر الجاري.

الأهم من ذلك، وفقا لهآرتس، فإن اميركا وبريطانيا اتخذتا القرار فور فوز حماس بالانتخابات النيابية، ما يؤكد انه كان قرارا سياسيا بحتا، ويقع في سياق سياسة اميركية- بريطانية بعزل حماس ورفع الغطاء الدولي عن السلطة الفلسطينية لتمكين اسرائيل من تنفيذ سياساتها.

التحول الخطير في الموقف البريطاني، لم يعزل حماس فقط، بل والرئيس محمود عباس لإضعافه واسقاط أي التزام دولي ولو بالحد الادنى بأية اتفاقيات او حتى مواثيق دولية. تعتقد بريطانيا انها تستطيع ان تصل لمثل هذه النتيجة وتدافع عن تواطئها مع اسرائيل، فهذا يعني انها ليست متخوفة من ردود الفعل الفلسطينية او العربية من هذا الموقف السياسي.

قد يفاجئ الشعب الفلسطيني بريطانيا واميركا، كما فاجأها من قبل، ولكن الجدل الفلسطيني القائم الذي يعكس في جوهره صراعا لتصفية الحسابات بين فتح وحماس سيزيد الوضع الفلسطيني تفتتا وضعفا، بدلا من اتفاق الطرفين على بناء اجماع وطني لمواجهة خطر السحب غير المسبوق للغطاء الدولي للسلطة الفلسطينية.

ليس من المستحيل ان تتفق جميع القوى على صيغة للتعامل مع الاتفاقات نابعة من الاجماع الوطني الفلسطيني، لكن النية لا تتجه الى ذلك، واذا استمر هذا الوضع فإن كل الجهات الفلسطينية مسؤولة عن الكارثة التي قد تحيق بغزة جراء الحصار والتجويع وإغلاق اسرائيلي محتمل لجميع المعابر.

lamis.andoni@alghad.jo

التعليق