جورجيا في ذهن أوروبا

تم نشره في الأربعاء 8 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

   لقد ولى العصر الذي كانت فيه أوروبا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لشن الحروب، أو إرساء السلام، أو ترسيخ الديمقراطية في ساحتها الخلفية. فمع التوسعة التي شهدها الاتحاد الأوروبي، وكما برهنت أزمة الوقود الأخيرة التي أشعلتها روسيا، فإن تلك الساحة الخلفية لم تعد تتضمن أوكرانيا فحسب، بل وجورجيا أيضاً. والحقيقة أن جورجيا، مثلها في ذلك مثل أوكرانيا، تمر الآن باختبار للديمقراطية لا تملك أوروبا أن تتجاهله.

   لقد كانت جورجيا أول دولة من بين دول ما بعد الشيوعية تندلع بها "ثورة ملونة"، وهي الثورة التي أرادت من خلالها أن تبرهن بكرامة ونضوج على اختيار شعبها للديمقراطية والقيم الأوروبية. ومنذ ذلك الوقت وأعلام الاتحاد الأوروبي التي ترفرف على البنايات العامة في كل أنحاء جورجيا، تشير إلى ارتباط طبيعي يضرب بجذوره في أعماق تاريخ هذه الدولة التي كانت بالنسبة لقدامى الإغريقيين جزءاً متمماً للعالم كما كان معروفاً آنذاك. بروميثيوس سارق النـار، وميديا قاتلة أبناءها، والأمازونات المحاربات، وأرمينيا المجاورة مستقر سـفينة نوح، إن أوروبا في أساطيرنا تبدأ من هنا.

   قد تبدو جورجيا، بتاريخها، وثقافتها، وتقاليدها - بما في ذلك استقلالها الحرج، وحتى روحها المتمردة حين كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق- المرشحة المثالية لتحول ناجح إلى الديمقراطية. وكل هذا يدعو إلى المزيد من الانزعاج والقلق إذا ما علمنا أن العملية الديمقراطية معرضة للانهيار هناك.

   كان كل شيء قد بدأ على خير ما يرام. فقد سارت الإصلاحات السياسية، والخصخصة، وخطوات محاربة الفساد، وبدأ البحث عن زعماء جدد لم تلطخهم التسويات المشينة والشبهات التي طالت النظام السابق، وانتهجت البلاد سياسة خارجية مؤيدة لأوروبا، ولم يلق كل ذلك أية معارضة. لكن العقلية الشمولية الاستبدادية عادت إلى الطفو على السطح من جديد مع زعامات استولت على المزيد والمزيد من السلطة بحجة تمثيل إرادة الأكثرية.

   ومثل الوحش المتعدد الرؤوس هيدرا في الأسطورة الإغريقية القديمة لم تكف النخبة السياسية في جورجيا عن الموت ثم العودة إلى الحياة من جديد. نفس الأشخاص ونفس أساليب الحكم التي سعت الثورة الوردية في نوفمبر 2003 إلى دحرها وإلحاق الهزيمة بها، عادت إلى البروز من جديد في قلب السلطة باستغلال شبكة من النفوذ الشخصي، التي امتدت إلى خارج حدود جورجيا، هذا فضلاً عن ثراء هؤلاء الأشخاص الفاحش ومهارتهم المصقولة في نصب المكائد السياسية واستغلال النفوذ.

   بالطبع كان كل ذلك بعيداً عن جهود الديمقراطية، التي لا تستند إلى صناديق الاقتراع فحسب، بل ترتكز في الأساس على الفصل بين السلطات. فالحكومة لم تتورع عن التدخل في شؤون البرلمان، الذي يسعى بدوره إلى تقليص دور الحكومة، بما في ذلك، وفي كثير من الأحوال، ترشيح السفراء وتنظيم جدول أعمالهم اليومية!

   أخيراً، وعلى نحو أكثر خطورة، فإن الجهاز القضائي لم يستقل بعد، الأمر الذي من شأنه أن يقوض حكم القانون، فيعوق بالتالي الاستثمارات الخاصة التي تحتاج إليها البلاد بشدة.

   إن ديمقراطية جورجيا ما زالت حتى الآن فكرة في ذهن جورجيا، لكنها لم تدب في جسدها بعد: فما زال الناس يزدرون السياسة باعتبارها سعياً قذراً، ويتركون الأرض خالية لهؤلاء الذين كان من الواجب أن يتقاعدوا منذ أمد بعيد. لكن الأمل في الديمقراطية يظل راسخاً في نفوس شعب جورجيا، وفي روح المنظمات الأهلية والإعلام.

   الآن حان الوقت الذي يتعين فيه على أوروبا أن تسارع إلى ضمان عدم خفوت ذلك الأمل. لقد بذلت الولايات المتحدة من الجهد قدر إمكانها لدعم الاستقرار السياسي في جورجيا منذ استقلالها. ومما لا شك فيه أن الاستقرار لم يكن دوماً منتسباً إلى الديمقراطية أثناء حكم إدوارد تشيفرنادزه وزير خارجية الاتحاد السوفييتي الأسبق الذي أجبر على التنحي عن منصبه كرئيس للبلاد بفضل الثورة الوردية. لكن الأميركيين استثمروا بسخاء سعياً إلى الإبقاء على مبادئ الديمقراطية وزعمائها. وعلى الرغم من أن المؤسسة الديمقراطية في جورجيا، بدعم من رجل المال الخبير جورج سوروس، لم تصطنع أو تلفق الثورة الوردية، كما زعم القوميون في روسيا، إلا أنها أسهمت من دون أدنى شك في تغذية وتشجيع ودعم الديمقراطية وتهيئة المناخ اللازم لها.

   ولكن، حتى تتمكن جورجيا من ترسيخ النظام الديمقراطي، فإنها في حاجة إلى دعم ذي طبيعة مختلفة، وأوروبا هي الكيان الأكثر تجهيزاً لتقديم هذا الدعم. إن نماذج توازن القوى، وتفعيل النظام القضائي والمؤسسات الديمقراطية المحلية، لابد وأن تستلهم من الأنماط الأوروبية، التي هي في الواقع أقرب إلى واقع جورجيا من النماذج الأنجلوسكسونية ذات الطبيعة الأميركية.

   إن رفض أوروبا لهذا التحدي يشكل خيانة لواجباتها الجوهرية في مكان صغير، يطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويتسم بالمرونة، وينعم بتقاليد تاريخية قديمة، فرصته في تحقيق النجاح أعظم كثيراً من فرصة أوكرانيا، الدولة الضخمة التي ما زالت العقلية السوفييتية تتحكم فيها إلى حد كبير، ناهيك عن وسط آسيا. الحقيقة أن رفض تقديم الدعم إلى جورجيا في نضالها من أجل الديمقراطية، من شأنه أن يؤخر التقدم الديمقراطي في أوكرانيا، وبيلاروسيا، وحتى في روسيا ذاتها.

   إن ذلك الرفض سوف يؤدي إلى تفاقم خطورة الموقف بكل وضوح. وعلى الرغم من أن روسيا لم تتبرأ قط من أحلامها الإمبراطورية ولم تتخل عن أدوات الهيمنة، إلا أنها أذعنت لحتمية الديمقراطية، على الأقل فيما يتصل بهوامشها. لكن هذا القبول المتردد لقدر معين من التطبيع في علاقاتها مع جيرانها كان دوماً عرضة لنوبات مفاجئة من الغطرسة الروسية الطائشة الشهيرة، التي تحرك نزعات عدوانية تمجد الدولة وتؤكد على قوتها عن طريق مداهمة كل نقطة ضعف.

   هذا هو المفتاح الذي نستطيع أن نفهم به أزمة الغاز الأخيرة التي أثارتها روسيا. وعلى نفس القدر من اليقين أستطيع أن أؤكد أن أية إشارة إلى التراجع عن الديمقراطية في جورجيا ودول الاتحاد السوفييتي السابقة، لن يؤدي إلا إلى تغذية الطموحات الروسية الإمبريالية الجديدة. إنها مسؤولية أوروبا الآن أن تقنع روسيا بأنها لا أمل لها في العودة إلى الماضي. ويتعين على أوروبا أن تضطلع بهذا الدور، ليس فقط من أجل ضمان استقلال إمداداتها من الطاقة في المستقبل، بل وأيضاً للتأكيد على أن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الأوروبية ذات أثر حقيقي بين الشعوب.

   ولكي تنجح أوروبا في هذه المهمة فيتعين عليها أن تجهز نفسها بالأدوات اللازمة: مؤسسة ضخمة شبه شعبية تسعى إلى الترويج لأوروبا ودعم الإصلاح السياسي، وجامعة تعمل على تدريب مسؤولي المستقبل في الأنظمة الديمقراطية الوليدة وقوة شرطة وجيش من القضاة لنفخ الروح في النماذج الديمقراطية التي نسعى إلى محاكاتها.

   تحتاج أوروبا في المقام الأول إلى الإيمان الراسخ. وإذا ما عجزت أوروبا اليوم عن إقناع نفسها بوجود مصالح حيوية لها ترتبط بمستقبل جاراتها من الدول، فمن سيؤمن بأوروبا غداً.

سالومي زورابيتشفيلي وزيرة الخارجية السابقة لجمهورية جورجيا، وتتولى الآن زعامة أحد أحزاب المعارضة في جورجيا.

         خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع "بروجيكت سنديكيت"

التعليق