مع سامي الحاج في غوانتانامو

تم نشره في الاثنين 6 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

الحقائق التي تكشفت عن نشر مقاطع ووثائق من جلسات الاستجواب العسكرية في غوانتانامو اكدت على الصورة غير الشرعية للمعتقل الذي اقامته الولايات المتحدة قبل اكثر من اربعة اعوام.

ما رشح من الوثائق، التي تبلغ حوالي خمسة آلاف صفحة، يلقي الضوء على عالم مظلم من التعذيب والغبن لمتهمين اختطفوا في افغانستان او باكستان او حتى من أماكن اخرى ليواجه جميعهم تهمة الارهاب دون دليل او فرصة لدفاع قانوني. فمعظم المتهمين، وهذا اهم ما في الوثائق، قدموا الى جلسات استجواب عرفية للجيش الاميركي لا تعترف بالقانون الاميركي او القانون الدولي مهمتها تثبيت التهم وفقا لما يعرف "بالأدلة السرية".

الوثائق تمثل المرة الاولى التي ينشر فيها ثلاثمائة اسم، من مجموع خمسمائة اسمٍ معتقلٍ في غوانتانامو منشورة على صفحات الوثائق، ليس كلائحة واحدة، لذا ينتظر اهالي المعتقلين في كل مكان ما سوف ينشر عن ابنائهم.

بعض المعلومات عن الاهانة والتعذيب ليست جديدة لكن تبقى الوثائق مهمة لسببين: اولا، انها اطول واخطر ادانة للحكومة الاميركية موثقة وباعتراف رسمي للانتهاكات الاميركية لحقوق الانسان والقانون الدولي، ولذا فإن نشر هذه الوثائق، التي حصلت عليها وكالة "Associated Press" بقانون قضائي، سيعطي زخما للحملة المتزايدة لاغلاق المعتقل الذي اسمته منظمة Amnsty International  بغولاغ القرن. ثانيا، ان المعلومات والاسماء ستمكن منظمات حقوق الانسان والمحامين من بناء قضية ضد الحكومة الاميركية للدفاع عن المتهمين الذين لم يعطوا فرصة لمحاكمة قانونية عادية.

رد الفعل في الصحافة الاميركية كان فوريا، فنشرت مقالات تدين ما اسمته "العار القومي"، لكن يجب الاشارة هنا ان كل الصحافة الاميركية، ما عدا الصحافة البديلة وبعض الصحافيين والكتاب الشجعان، لم تحرك ساكنا لكشف فضائح غوانتانامو والمطالبة باغلاق المعسكر، الا بعد ان اصبح فضيحة عالمية وبعد ان بدأت المعارضة الديمقراطية بعد صمت طويل بادانة هذا المعتقل.

ما نشر من الوثائق، إلى الآن، يؤكد تجاهل واستزراء متعمد مدروس للقوانين الدولية. فعندما حاول المعتقل عيروز علي عباسي تذكير جلسة الاستجواب العسكرية بالقوانين الدولية اجابه عقيد في سلاح الجو الاميركي بما يلي: "انا لا اهتم بالقانون الدولي، ولا اريد ان اسمع هذه الكلمات (اي القانون الدولي)، ثانية، نحن هنا لا نكترث بشيء اسمه القانون الدولي".

انا شخصيا لا زلت ابحث في هذه الوثائق غير المتوفرة باكملها عن اسم الزميل سامي الحاج، مصور الجزيرة المختطف (المحجوز في غوانتانامو منذ اربع سنوات)، لكن من خلال المحامي كلايف ستامورد سميث استطاع سامي ان يبعث برسائل الى الجزيرة تفصح عن تفاصيل مريعة عن معاناته، بالاضافة الى تلك التي يحدثني عنها المحامي كلما زار غوانتانامو.

كان سامي عائدا من مهمة في قندهار مع الزميل يوسف الشولي عندما اعتقلته القوات الباكستانية وسلمته الى القوات الاميركية، تم نقل سامي الى غوانتانامو في اوائل عام 2002. كان سامي يحمل بطاقة اعتماده من قبل الجزيرة عندما اعتقل، لم يشفع له عمله الصحافي، بل اكتشف عندما ابتدأ الاستجواب انه يعمل في الجزيرة. تعرض سامي للتعذيب والاهانة، بما في ذلك الاعتداء الجنسي، ثم طلب منه المحققون بصراحة ان يوقع افادة مزيفة لاثبات تعاون الجزيرة مع القاعدة او عقد موتمر صحافي للادعاء بان لديه اثباتا على تورط الجزيرة مع القاعدة.

عندما فشلت هذه المحاولات، لان سامي لم يكن لديه اي شيء ليقوله، قالت له السلطات العسكرية الاميركية في غوانتانامو بانها على استعداد لاطلاق سراحه، اذا وافق على التجسس على الجزيرة. وفي كل مرة كانت هناك مشكلة تتعلق بالجزيرة، كان المحققون يضايقون سامي ويطالبونه بمعلومات لا يعلم بها، او حتى ليست موجودة اصلا.

عندما اعتقل الزميل تيسير علوني اتهم المحققون سامي بانه المصور الذي رافق تيسير في مقابلته الشهيرة مع بن لادن بعد بدء القصف على افغانستان.

المشكلة في اتهامات المحققين انها لم تكن مبنية على معلومات او حقائق، لان سامي وتيسير لم يلتقيا ابدا، ولم يعملا معا. مرة ثانية عندما غضبت الولايات المتحدة على تغطية الجزيرة لحصار وقصف الفلوجة في ربيع 2004 تمت مساءلة سامي عن الزميل احمد منصور والطاقم الذي كان معه داخل الفلوجة.

هذه المعلومات لم تكن متوفرة الا بعد ان نجح بعض المتطوعين مثل كلايف ستافور سميث وتوماس ويلنار وآخرين من الحصول على موافقة بزيارة غوانتانامو والتحدث مع المعتقلين، اي خلال العام الاخير فقط.

قضية سامي الحاج قد تكون مختلفة نوعا ما عن قضايا بقية المعتقلين، لكنها تكشف عن غياب المصداقية للاتهامات التي تدعيها الولايات المتحدة الاميركية ضد المعتقلين في غوانتانامو، فحتى لو كان المعتقلون يصح تسميتهم بـ"الارهابيين"، وفقاً للتعريف الاميركي للارهاب، فان عمليات الخطف والاحتجاز غير الشرعية تجعل من السجّانين "ارهابيين" بدعوة محاربة الارهاب.

من خلال متابعتي لقضية الزميل سامي، تعرفت على قضايا آخرين وحكايات تعذيب ستترك الاكثرية في غوانتانامو في حالة صحية بائسة، وقد تقعدهم بقية حياتهم، اذا تم اطلاق سراحهم.

في شهادة كتبها المحامي توماس ويلنار تحدث عن عمليات التعذيب مثل كر العظام في اجزاء متعددة من الجسم، والحرمان من الرعاية الطبية، وفرض التغذية على المحتجزين عبر الانابيب لاجبارهم على كسر اضرابهم عن الطعام. ويقول المحامي: ان عمليات الاطعام الاجباري تمت بطريقة غير مهنية، يقصد بها التعذيب والايذاء الجسدي، لانها نفذت من قبل الحراس، وليس من قبل الاطباء. في اغلب الاحيان يعيش المختطفون في غوانتانامو معزولين عن العالم، وان كان ذلك قد تغير قليلاً بعد ان تمكن بعض المحامين من ايصال الرسائل اليهم ومنهم، اذ ان السلطات تسمح برسائل، من خلال الصليب الاحمر، لكن بين فترات متباعدة. وفي اغلب الاحيان تصل هذه الرسائل بعد اشهر بسبب التأخر في تسليمها للصليب الاحمر.

كما أن أغلب الرسائل التي ينقلها المحامون من اهالي المحتجزين واجاباتهم تكون شفوية، وهناك قصص كثيرة حول ايصال معلومات مؤلمة، مثل وفاة احد الوالدين، وذلك بعد سنة او اكثر من وقوعها.

كل هذا يحدث في غوانتانامو، تحت مسؤولية الراعية الاكبر للديمقراطية في العالم، ولكن المسؤولية تقع علينا جميعاً، على الحكومات والمجتمع المدني والكتاب والناشطين. فالجميع مقصر في المطالبة بالعدالة لهؤلاء، وقد آن الاوان للحكومات بالمطالبة بأبنائها، او على الاقل توفير محاكمة عادلة لهم، بدلاً من المشاركة في ادانتهم.

lamis.andoni@alghad.jo

التعليق